فصل: 1499- باب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


32- كتاب الفتن عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم

الفتن جمع فتنة قال الراغب في أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته‏.‏ ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذوقوا فتنتكم‏}‏ على ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا في الفتنة سقطوا‏}‏ وعلى الاختبار كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفتناك فتوناً‏}‏ وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى، وأكثر استعمالاً قال تعالى‏:‏ ‏{‏ونبلوكم بالشر والخير فتنة‏}‏ وقال أيضاً الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله، ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة‏.‏ فقد ذم الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الفتنة اشد من القتل‏}‏ وقال غيره‏:‏ أصل الفتنة الاختبار ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه ثم أطلقت على كل مكروه أوائل إليه كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك‏.‏

1438- باب ما جاءَ لا يَحِلّ دَمُ امرئ مُسْلِمٍ إِلاّ بِإِحْدَى ثَلاَث

2185- حَدّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن أبي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ أَنّ عُثْمانَ بنَ عَفّانَ أَشْرَفَ يَوْمَ الدّارِ فَقَالَ‏:‏ أَنْشُدُكُمْ بِالله أَتَعْلَمُونَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يَحِلّ دَمُ امرئ مُسْلِمٍ إِلاّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ‏:‏ زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ ارْتِدَادٍ بَعْدَ إِسْلاَمٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقّ فَقُتِلَ بِهِ، فَوَالله مَا زَنَيْتُ في جَاهِليّةٍ وَلاَ في إِسْلاَمٍ، وَلاَ ارْتَدَدْتُ مُنْذُ بَايَعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وَلاَ قَتَلْتُ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ الله، فَبِمَ تَقْتُلُونّي‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ مسعودٍ وعائشةً وابنِ عَبّاسٍ‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ‏.‏ ورواه حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ فرفعه‏.‏ وَرَوَى يَحْيَى بنُ سعيدٍ القَطّانُ وغيرُ واحدٍ عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ هذا الحديثَ فأوْقَفوهُ ولم يَرْفَعُوهُ‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ وَجْهٍ عن عُثْمانَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرفوعاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن يحيى بن سعيد‏)‏ بن قيس الأنصاري القاضي ثقة ثبت من الخامسة ‏(‏عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف‏)‏ بالتصغير واسمه أسعد‏.‏ قال في التقريب أسعد بن سهل بن حنيف بضم المهملة الأنصاري أبو أمامة معروف بكنيته معدود في الصحابة له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أشرف‏)‏ أي اطلع على الناس من فوق، يقال أشرف عليه إذا اطلع عليه من فوق ‏(‏يوم الدار‏)‏ أي وقت الحصار، أي في الأيام التي جلس فيها في داره لأجل أهل الفتنة ‏(‏فقال أنشدكم‏)‏ بضم الشين أي أقسمكم ‏(‏أتعلمون‏)‏ الهمزة للتقرير أي قد تعلمون ‏(‏لا يحل دم امرئ مسلم‏)‏ هو صفة مقيدة لامرئ أي لا يحل إراقة دمه كله وهو كناية عن قتله ولو لم يرق دمه ‏(‏إلا بإحدى ثلاث‏)‏ أي من الخصال ‏(‏زنى بعد إحصان‏)‏ قال في النهاية‏:‏ أصل الإحصان المنع والمرأة تكون محصنة بالإسلام وبالعفاف والحرية وبالتزويج، يقال أحصنت المرأة فهي محصَنة ومحصِنة وكذلك الرجل انتهى ‏(‏فقتل به‏)‏ تقرير ومزيد توضيح للمعنى ‏(‏منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي بيعة الإسلام ‏(‏ولا قتلت النفس التي حرم الله‏)‏ أي قتلها بغير حق ‏(‏فبم تقتلوني‏)‏ بتشديد النون‏.‏ وفي المشكاة‏:‏ تقتلونني‏.‏ قال القاري‏:‏ بنونين‏.‏ وفي نسخة يعني منها بنون مشددة، وفي نسخة بتخفيفها أي فبأي سبب تريدون قتلي والخطاب للتغليب انتهى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ قال شيخنا يعني الحافظ العراقي في شرح الترمذي استثنى بعضهم من الثلاثة قتل الصائل، فإنه يجوز قتله للدفع‏.‏ وأشار بذلك إلى قول النووي يخص من عموم الثلاثة الصائل ونحوه، فيباح قتله في الدفع‏.‏ وقد يجاب بأنه داخل في المفارق للجماعة أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله بمعنى أنه لا يحل قتله إلا مدافعة بخلاف الثلاثة‏.‏ قال الحافظ والجواب الثاني هو المعتمد‏.‏ وحكى ابن التين عن الداودي‏:‏ أن هذا الحديث منسوخ بآية المحاربة ‏{‏من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض‏}‏ قال فأباح القتل بمجرد الفساد في الأرض‏.‏ قال فقد ورد في القتل بغير الثلاث، أشياء منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقاتلوا التي تبغي‏}‏ وحديث ‏"‏من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه‏"‏‏.‏ وحديث‏:‏ ‏"‏من أتى بهيمة فاقتلوه‏"‏‏.‏ وحديث‏:‏ ‏"‏من خرج وأمر الناس جمع يريد تفرقهم فاقتلوه‏"‏‏.‏ وقول جماعة الأئمة‏:‏ إن تاب أهل القدر وإلا قتلوا وقول جماعة من الأئمة‏:‏ يضرب المبتدع‏.‏ حتى يرجع أو يموت‏.‏ وقول جماعة من الأئمة يقتل تارك الصلاة قال وهذا كله زائد على الثلاث، قال الحافظ‏:‏ وزاد غيره‏:‏ قتل من طلب أخذ مال إنسان أو حريمه بغير حق، ومن ارتد ولم يفارق الجماعة، ومن خالف الإجماع وأظهر الشقاق والخلاف، والزنديق إذا تاب على رأي والساحر‏.‏

والجواب عن ذلك كله أن الأكثر في المحاربة أنه إن قتل قتل‏.‏ وبأن حكم الاَية في الباغي أن يقاتل لا أن يقصد إلى قتله، وبأن الخبرين في اللواط وإتيان البهيمة لم يصحا، وعلى تقدير الصحة فهما داخلان في الزنا، وحديث الخارج عن المسلمين تقدم تأويله بأن المراد بقتله حبسه ومنعه من الخروج، والقول في القدرية وسائر المبتدعة مفرع على القول بتكفيرهم، وبأن قتل تارك الصلاة عند من لا يكفر، مختلف فيه كما تقدم‏.‏ وأما من طلب المال أو الحريم فمن حكم دفع الصائل، ومخالف الإجماع داخل في مفارق الجماعة، وقتل الزنديق لاستصحاب حكم كفره، وكذا الساحر‏.‏ وقد حكى ابن العربي عن بعض أشياخه أن أسباب القتل عشرة، قال ابن العربي‏:‏ ولا تخرج عن هذه الثلاثة بحال، فإن من سحر أو سب نبي الله كفر فهو داخل في التارك لدينه انتهى كلام الحافظ باختصار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وابن عباس‏)‏ أما حديث ابن مسعود فأخرجه الأئمة الستة إلا ابن ماجه‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه النسائي كما في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي‏.‏

1439- باب ما جاءَ في تحريم الدماء والأموال

2186- حَدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو الأَحْوَصِ عن شَبِيبِ بنِ غَرْقَدَةَ عن سُلَيْمانَ بنِ عَمْرٍو بنِ الأَحْوَصِ عن أَبِيهِ قال‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ في حَجّةِ الْوَدَاعِ لِلنّاسِ‏:‏ ‏"‏أَيّ يَوْمٍ هَذَا‏؟‏ قالوا‏:‏ يَوْمُ الْحَجّ الأَكْبَرِ، قال‏:‏ فَإِنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاّ عَلَى نَفْسِهِ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلاَ وَإِنّ الشّيْطَانَ قَدْ أُيِسَ أَنْ فيُعْبَدَ في بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَداً، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فيما تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي بَكْرَةَ وابنِ عَبّاسٍ وجابرٍ وَحُذَيْمٍ بنِ عَمْرٍو والسّعْدِيّ‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وَرَوَى زَائِدَةُ عن شَبِيبِ بنِ غَرْقَدَةَ نحوهُ‏.‏ ولا نعرفُه إلا من حديثِ شبيبِ بنِ غَرْقَدَةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن شبيب بن غرقدة‏)‏ بمعجمة وقاف ثقة من الرابعة ‏(‏عن سليمان ابن عمرو بن الأحوص‏)‏ الجشمي الكوفي مقبول من الثالثة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عمرو بن الأحوص الجشمي‏.‏ قال الحافظ صحابي له حديث في حجة الوداع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يقول في حجة الوداع‏)‏ أي يوم النحر والوداع بفتح الواو مصدر ودع توديعاً كسلم سلاماً وكلم كلاماً، وقيل بكسر الواو فيكون مصدر الموادعة، وهو إما لوداعه الناس أو الحرم في تلك الحجة، وهي بفتح الحاء وكسرها‏.‏ قال‏.‏ الشمني‏:‏ لم يسمع في حاء ذي الحجة إلا الكسر‏.‏ قال صاحب الصحاح‏:‏ الحجة المرة الواحدة، وهو من الشواذ، لأن القياس الفتح ‏(‏أي يوم هذا‏؟‏ قالوا يوم الحج الأكبر‏)‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأذان من الله ورسوله إلى الناس‏}‏ أي إعلام ‏{‏يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله‏}‏ قال البيضاوي‏:‏ أي يوم العيد لأن فيه تمام الحج، ومعظم أفعاله، ولأن الإعلام كان فيه، ولما روى أنه عليه الصلاة والسلام وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال هذا يوم الحج الأكبر‏.‏ وقيل يوم عرفة لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ الحج عرفة‏.‏ ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله، فإنه أكبر من باقي الأعمال، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيده أعياد أهل الكتاب، أو لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين انتهى‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه‏:‏ هو يوم عرفة إذ من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ثم قولهم يوم الحج الأكبر بظاهره ينافي جوابهم السابق والله ورسوله أعلم، يعني في حديث أبي بكرة‏:‏ ولعل هذا في يوم آخر من أيام النحر أو أحد الجوابين صدر عن بعضهم كذا في المرقاة ‏(‏قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم‏)‏ أي تعرضكم لبعضكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم‏.‏ والعرض بالكسر‏:‏ موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه ‏(‏بينكم‏)‏ احتراز عن الحقوق الشرعية ‏(‏حرام‏)‏ أي محرم ممنوع ‏(‏كحرمة يومكم هذا‏)‏ يعني تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله وأعراضه في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لها في هذا اليوم ‏(‏في بلدكم‏)‏ أي مكة أو الحرم المحترم ‏(‏هذا‏)‏ ولعل ترك الشهر اقتصار من الراوي، وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء، لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال ‏(‏ألا‏)‏ للتنبيه ‏(‏لا يجني جان إلا على نفسه‏)‏ قال في النهاية‏:‏ الجناية الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والاَخرة‏.‏ المعنى أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الاَخر كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ انتهى ‏(‏ألا‏)‏ للتنبيه ‏(‏لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده‏)‏ يحتمل أن يكون المراد النهي عن الجناية عليه لاختصاصها بمزيد قبح وأن يكون المراد تأكيد لا يجني جان إلا على نفسه، فإن عادتهم جرت بأنهم يأخذون أقارب الشخص بجنايته والحاصل أن هذا ظلم يؤدي إلى ظلم آخر، والأظهر أن هذا نفي، فيوافق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ وإنما خص الولد والوالد لأنهما أقرب الأقارب، فإذا لم يؤاخذا بفعله فغيرهما أولى‏.‏ وفي رواية لا يؤخذ الرجل بجريمة أبيه‏.‏ وضبط بالوجهين ‏(‏ألا وإن الشيطان‏)‏ وهو إبليس الرئيس أو الجنس الخسيس ‏(‏قد أيس‏)‏ أي قنط ‏(‏أن يعبد‏)‏ قال القاري‏:‏ أي من أن يطاع في عبادة غير الله تعالى، لأنه لم يعرف أنه عبده أحد من الكفار انتهى‏.‏ وقيل معناه‏:‏ إن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم ولا يرد على هذا مثل أصحاب مسلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتد لأنهم لم يعبدوا الصنم‏.‏ ويحتمل معنى آخر وهو أنه أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن المصلين من أمتي لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصاري، ولك أن تقول معنى الحديث‏:‏ أن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام ويظهر الإشراك ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتدد بل لو عبد الأصنام أيضاً لم يضر في المقصود فأفهم، كذا في اللمعات مع زيادة ‏(‏في بلادكم هذه‏)‏ أي مكة وما حولها من جزيرة العرب ‏(‏ولكن ستكون له طاعة‏)‏ أي القياد أو طاعة ‏(‏فيما تحقرون‏)‏ بتشديد القاف من التحقير، وفي بعض النسخ تحتقرون‏.‏ قال في القاموس‏:‏ الحقر الذلة كالحقرية بالضم الحقارة مثلثة والمحقرة والفعل كضرب وكرم والأذلال كالتحقير والاحتقار‏.‏ والاستحقار والفعل كضرب انتهى‏.‏ ‏(‏من أعمالكم‏)‏ أي دون الكفر من القتل والنهب ونحوهما من الكبائر وتحقير الصغائر ‏(‏فسيرضى‏)‏ بصيغة المعلوم أي الشيطان ‏(‏به‏)‏ أي بالمحتقر حيث لم يحصل له الذنب الأكبر ولهذا ترى المعاصي من الكذب والخيانة ونحوهما توجد كثيراً في المسلمين وقليلاً في الكافرين، لأنه قد رضي من الكفار بالكفر، فلا يوسوس لهم في الجزئيات وحيث لا يرضى عن المسلمين بالكفر فيرميهم في المعاصي‏.‏ وروى عن علي رضي الله عنه‏:‏ الصلاة التي ليس لها وسوسة إنما هي صلاة اليهود والنصارى ومن الأمثال‏:‏ لا يدخل اللص في بيت إلا فيه متاع نفيس‏.‏

قال الطيبي رحمه الله‏:‏ قوله فيما تحتقرون أي مما يتهجس في خواطركم وتتفوهون عن هناتكم وصغائر ذنوبكم فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب، كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي بكرة وابن عباس وجابر وحذيم بن عمرو السعدي‏)‏ أما حديث أبي بكرة فأخرجه الشيخان‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري في باب الخطبة أيام منى‏.‏ وأما حديث جابر فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي‏.‏ وأما حديث حذيم بن عمرو السعدي فأخرجه النسائي، وهو بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح التحتانية، والد زياد معدود في الصحابة‏.‏ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم‏"‏ الحديث حديثاً واحداً‏.‏ وعنه ابنه زياد ورقم عليه الحافظ علامة س‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح وأخرجه ابن ماجه‏.‏

1440- باب ما جاءَ لا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوّعَ مُسْلِماً

بتشديد الواو من الترويع‏.‏ قال في القاموس‏:‏ راع افزع كروع لازم ومتعد‏.‏

2187- حَدّثنا بُنْدارٌ، حدثنا يَحْيَى بنُ سعيدٍ، أخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ السّائِبِ بنِ يَزِيدَ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ قِال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لاَ يأْخُذْ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لاَعِباً أو جَادّا، فَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدّهَا إِلَيْهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وَسُلَيْمانَ بنِ صُرَدَ وَجَعْدَةَ وأبي هُرَيْرَةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفُه إِلا من حديثِ ابن أبي ذِئْبٍ‏.‏ وَالسّائِبُ بنُ يَزِيدَ لَهُ صُحْبَةٌ قَدْ سَمِعَ مِنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أحاديث وَهُوَ غُلاَمٌ وقُبِضَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ابنُ سَبْعِ سِنِينَ‏.‏ وأبوه يَزِيدُ بنُ السّائِبِ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا عبد الله بن السائب بن يزيد‏)‏ قال في تهذيب التهذيب‏:‏ عبد الله بن السائب بن يزيد الكندي أبو محمد المدني بن أخت نمر، روى عن أبيه عن جده حديث‏:‏ لا يأخذ أحدكم عصا أخيه‏.‏ قال الترمذي حسن غريب روى عنه ابن أبي ذئب، قال أحمد لا أعرف له غير حديث ابن أبي ذئب وأما السائب فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال النسائي‏:‏ عبد الله بن السائب ثقة وذكره ابن حبان في الثقات‏.‏ وقال ابن سعد‏.‏ كان ثقة قليل الحديث انتهى‏.‏ ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين وولاه عمر سوق المدينة ‏(‏عن جده‏)‏ هو يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود، والد السائب صحابي شهد الفتح واستقضاه عمر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يأخذ‏)‏ بصيغة النهي، وقيل بالنفي ‏(‏عصا أخيه‏)‏ يعني مثلاً‏.‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ لا يأخذن أحدكم متاع أخيه ‏(‏لاعباً جاداً‏)‏ حالان من فاعل يأخذ وإن ذهب إلى أنهما مترادفتان تناقضتا وإن ذهب إلى التداخل صح‏.‏ ذكره الطيبي رحمه الله‏.‏ قال القاري‏:‏ يعني ويكون حالاً من الأول، لكن الظاهر أن الحال الثانية مقدرة حتى لا يلزم التناقض سواء كانتا مترادفتين أو متداخلتين، إلا أن يحمل الأول على ظاهر الأمر والثاني على باطنه، أي لاعباً ظاهراً، جاداً باطناً، أي يأخذ على سبيل الملاعبة، وقصده في ذلك إمساكه لنفسه لئلا يلزم اللعب والجد في زمن واحد، ولذا قال المظهر‏:‏ معناه أن يأخذ على وجه الدل وسبيل المزاح ثم يحبسها عنه ولا يرده فيصير ذلك جداً‏.‏ وفي شرح السنة عن أبي عبيد‏:‏ هو أن يأخذ متاعه لا يريد سرقته، إنما يريد إدخال الغيظ عليه، فهو لاعب في السرقة جاد في إدخال الغيظ والروع والأذى عليه انتهى‏.‏ وينصر الأول قوله‏:‏ ‏(‏فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه‏)‏ قال التوربشتي رحمه الله‏:‏ وإنما ضرب المثل بالعصا لأنه من الأشياء التافهة التي لا يكون لها كبير خطر عند صاحبها ليعلم أن ما كان فوقه فهو بهذا المعنى أحق وأجدر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وسليمان بن صرد وجعدة وأبي هريرة‏)‏ أما حديث ابن عمر فأخرجه البزار عنه مرفوعاً بلفظ‏:‏ ‏"‏لا يحل لمسلم أو مؤمن أن يروع مسلماً‏"‏‏.‏ كذا في الترغيب‏.‏ وأما حديث سليمان بن صرد وحديث جعدة فلينظر من أخرجهما‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو الشيخ ذكره المنذري في باب الترهيب عن ترويع المسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود، وسكت عليه هو والمنذري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأبوه يزيد بن السائب الخ‏)‏ كذا قال الترمذي‏:‏ يزيد بن السائب‏.‏ وقد عرفت أن يزيد هذا هو يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود، فلعله يقال له يزيد بن السائب أيضاً والله تعالى أعلم‏.‏

1441- باب مَا جَاءَ في إِشَارَةِ المسلم إلى أَخِيهِ بالسّلاَح

بالكسر السلاح والسلح كعنب والسلحان بالضم آلة الحرب أو حديدتها ويؤنث والسيف والقوس‏:‏ بلا وتر والعصا انتهى

2188- حَدّثنا عبدُ الله بنُ الصّبّاحِ العطار الْهاشِمِيّ، أخبرنا مَحْبُوبُ بنُ الْحَسَنِ، حدثنا خالِدٌ الْحَذّاءُ عن محمدِ بنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِحَديدَةٍ لَعَنَتْهُ المَلاَئِكَةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي بَكْرَةَ وعائشةَ وجابرٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ، يُسْتَغْرَبُ من حديثِ خَالِدٍ الْحَذّاءِ‏.‏ ورواه أَيّوبُ عن محمدِ بنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ نحوَهُ ولم يَرْفَعْهُ وَزَادَ فِيهِ‏:‏ ‏"‏وإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأِبِيهِ وَأُمّهِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وأخبرنا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ بهذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الله بن الصباح‏)‏ بن عبد الله ‏(‏الهاشمي‏)‏ العطار البصري ثقة من كبار العاشرة، ‏(‏أخبرنا محبوب بن الحسن‏)‏ اسمه محمد ومحبوب لقبه‏.‏ قال في التقريب‏:‏ محمد بن الحسن بن هلال بن أبي زينب، فيروز أبو جعفر وأبو الحسن لقبه محبوب صدوق فيه لين رمي بالقدر من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من أشار على أخيه‏)‏ في الدين ‏(‏بحديدة‏)‏ أي بسلاح، كسكين وخنجر وسيف ورمح ‏(‏لعنته الملائكة‏)‏ أي دعت عليه بالطرد والبعد عن الرحمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي بكرة وعائشة وجابر‏)‏ أما حديث أبي بكرة فأخرجه الشيخان‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه الحاكم عنها مرفوعاً‏:‏ من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين يريد قتله فقد وجب دمه‏.‏ قال المناوي في شرح الجامع الصغير‏:‏ فيه مجهول وبقية رجاله ثقات‏.‏ أما حديث جابر فأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وزاد فيه وإن كان‏)‏ أي المشير ‏(‏أخاه‏)‏ أي أخا المشار إليه ‏(‏لأبيه وأمه‏)‏ أي معاً وإن وصلية‏.‏ قال الطيبي رحمه الله قوله‏:‏ وإن كان أخاه تتميم لمعنى الملاعبة وعدم القصد في الإشارة، فبدأ بمطلق الأخوة ثم قيده بالأخوة بالأب والأم ليؤذن بأن اللعب المحض المغري عن شائبة القصد إذا كان حكمه كذا فما ظنك بغيره‏.‏

1442- باب ما جاء في النّهْيِ عَنْ تَعَاطِي السّيْفِ مَسْلولا

التعاطي‏:‏ التناول والأخذ والإعطاء‏.‏

2189- حَدّثنا عبدُ الله بن مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيّ البَصْرِيّ، حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جابرٍ قال‏:‏ ‏"‏نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُتَعَاطَى السّيْفُ مَسْلُولاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي الباب عن أبي بَكْرَةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ‏.‏ وَرَوى ابنُ لَهِيعَةَ هذا الحديثَ عن أبي الزّبْيرِ عن جابر وعن بَنّةَ الْجُهَنِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وحديثُ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عِنْدِي أَصَحّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعاطى السيف مسلولاً‏)‏ فيكره مناولته كذلك لأنه قد يخطئ في تناوله فيجرح شيئاً من بدنه، أو يسقط على أحد فيؤذيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي بكرة‏)‏ أخرجه أحمد والطبراني بإسناد جيد كما في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن بنة الجهني‏)‏ قال في التقريب‏:‏ صحابي ذكر الترمذي حديثه تعليقاً عن ابن لهيعة بسنده وهو بفتح الموحدة وتثقيل النون، وقيل أوله تحتانية ورجح ابن معين أنه بنون وموحدة مصغراً انتهى‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ اختلف الأئمة في ضبطه‏.‏ فذكره البغوي في الباء الموحدة وذكره ابن السكن في الياء الأخيرة‏.‏ وذكره عباس الدوري عن ابن معين في النون، قال أبو عمر‏:‏ هي رواية ابن وهب عن ابن لهيعة وهي أرجح الروايات انتهى‏.‏

1443- باب ما جاء مَنْ صَلّى الصّبْحَ فَهُوَ في ذِمّةِ الله عَز وَجَل

2190- حَدّثنا بُنْدَارٌ، أخبرنا مَعْدِيّ بنُ سُلَيْمانَ، أخبرنا بنُ عَجْلاَنَ عن أَبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ صَلّى الصّبْحَ فَهُوَ في ذِمّةِ الله فَلاَ يَتّبِعَنّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِنْ ذِمّتِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن جُنْدَبٍ وابنِ عُمَرَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا معدي بن سليمان‏)‏ صاحب الطعام ضعيف وكان عابداً من الثامنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من صلى الصبح‏)‏ في جماعة ‏(‏فهو في ذمة الله‏)‏ بكسر المعجمة عهده أو أمانه أو ضمانه فلا تتعرضوا له بالأذى، وهذا غير الأمان الذي ثبت بكلمة التوحيد ‏(‏فلا يتبعنكم الله بشيء من ذمته‏)‏ ظاهره النهي عن مطالبته أياهم بشيء من عهده، لكن النهي إنما وقع على ما يوجب المطالبة في نقض العهد وإخفار الذمة، لا على نفس المطالبة‏.‏

وفي حديث جندب القسري عند مسلم‏:‏ فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء‏.‏ قال القاري أي لا يؤاخذكم من باب لا أرينك، المراد نهيهم عن التعرض لما يوجب مطالبة إياهم، ومن بمعنى لأجل، والضمير في ذمته إما لله وإما لمن، والمضاف محذوف أي لأجل ترك ذمته أو بيانية والجار والمجرور حال من شيء‏.‏ وفي المصابيح بشيء من ذمته قيل أي بنقض عهده وإخفار ذمته بالتعرض لمن له ذمة، أو المراد بالذمة الصلاة الموجبة للأمان أي لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبكم به انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جندب وابن عمر‏)‏ أما حديث جندب فأخرجه مسلم وغيره، وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والبزار قال المنذري‏:‏ ورواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، وفي أوله قصة ثم ذكرها بطولها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ في سنده معدى بن سليمان وهو ضعيف كما عرفت، لكن قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته صحح الترمذي حديثه‏.‏

1444- باب ما جاء في لزُوم الْجَماعَة

2191- حَدّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا النّضْرُ بنُ إِسماعيلَ أَبو المُغِيرَةِ عن محمد بنِ سُوقَةَ عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ عن ابنِ عُمَرَ قال‏:‏ خَطَبنَا عُمَرُ بالْجَابِيَةِ فقال‏:‏ يَا أَيّهَا النّاسُ‏:‏ إِنّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمقَامِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فِينَا فقال‏:‏ ‏"‏أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمُ ثُمّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتّى يَحْلِفَ الرّجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ الشّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ‏.‏ أَلاَ لاَ يَخْلُوَنّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، وَإِيّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنّ الشّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ‏.‏ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَماعَةَ‏.‏ مَنْ سَرّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيّئتُهُ فَذَلِكُمْ المُؤْمِنُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ‏.‏ وقد رَوَاهُ ابنُ المُبَارَكِ عن محمدِ بنِ سُوقَةَ‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ وَجْهٍ عن عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

2192- حدّثنا أبو بَكْرِ بنُ نَافِعٍ البَصْرِيّ، حدثني المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ، حدثنا سُلَيْمانُ المدنيّ عن عبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إِنّ الله لا يَجْمَعُ أُمّتِي- أَوْ قَالَ أُمّةَ مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم- عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَيَدُ الله عَلَى الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذّ شَذّ إِلَى النّارِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ‏.‏ وسُلَيْمانُ المدنيّ هُوَ عِنْدِي سُلَيْمانُ بنُ سُفْيَانَ وفي الباب عن ابن عباس‏.‏

2193- حدّثَنَا يحْيَى بن مُوسَى، حدْثنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا إبْرَاهُيم بن ميمُونٍ عَنْ ابنِ طَاوسٍ عن أَبِيهِ عنْ ابنِ عَبّاسْ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يدُ الله مع الجَمَاعَةِ‏"‏‏.‏ هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حدِيثِ ابنِ عَبّاسٍ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ‏.‏

قوله ‏(‏أخبرنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة‏)‏ قال في التقريب‏:‏ النضر بالمعجمة ابن إسماعيل بن حازم البجلي أبو المغيرة الكوفي القاص ليس بالقوي من صغار الثامنة‏.‏ ‏(‏عن محمد بن سوقة‏)‏ بضم المهملة الغنوى، أبي بكر الكوفي العابد، ثقة مرضى عابد من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خطبنا عمر بالجابية‏)‏ خطبة عمر هذه مشهورة، خطبها بالجابية وهي قرية بدمشق ‏(‏فقال‏)‏ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم‏)‏ أي التابعين ‏(‏ثم الذين يلونهم‏)‏ أي أتباع للتابعين‏.‏ وقوله بأصحابي وليس مراده به ولاة الأمور ‏(‏ثم يفشو الكذب‏)‏ أي يظهر وينتشر بين الناس بغير نكير ‏(‏حتى يحلف الرجل ولا يستحلف‏)‏ أي لا يطلب منه الحلف لجرأته على الله ‏(‏ويشهد الشاهد ولا يستشهد‏)‏ قال الترمذي في أواخر الشهادات‏:‏ المراد به شهادة الزور ‏(‏ألا‏)‏ بالتخفيف حرف تنبيه ‏(‏لا يخلون رجل بامرأة‏)‏ أي أجنبية ‏(‏إلا كان ثالثهما الشيطان‏)‏ برفع الأول ونصب الثاني، ويجوز العكس، والاستثناء مفرغ، والمعنى يكون الشيطان معهما يهيج شهوة كل منهما حتى يلقيهما في الزنا ‏(‏عليكم بالجماعة‏)‏ أي المنتظمة بنصب الإمامة ‏(‏وإياكم والفرقة‏)‏ أي احذروا مفارقتها ما أمكن‏.‏ وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ ‏"‏من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية‏"‏ ‏"‏الحديث‏"‏‏.‏ روى الشيخان عن حذيفة في أثناء حديث‏:‏ تلزم جماعة المسلمين وإمامهم‏.‏ قلت‏:‏ فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام‏؟‏ قال فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن قبض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك‏.‏ قال الحافظ قوله‏:‏ تلزم جماعة المسلمين وإمامهم أي أميرهم‏.‏ زاد في رواية أبي الأسود‏:‏ تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك‏.‏ وكذا في رواية خالد بن سبيع عند الطبراني‏:‏ فإن رأيت خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك فإن لم يكن خليفة فالهرب‏.‏ وقال الطبري‏:‏ اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم هو للوجوب، والجماعة السواد الأعظم، ثم ساق محمد ابن سيرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان‏:‏ عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة‏.‏ وقال قوم‏:‏ المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم‏.‏ وقال قوم‏:‏ المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين‏.‏ قال الطبري‏:‏ والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة‏.‏ قال وفي الحديث‏:‏ أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزاباً فلا يتبع أحداً في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر‏.‏ وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها انتهى‏.‏ ‏(‏فإن الشيطان مع الواحد‏)‏ أي الخارج عن طاعة الأمير المفارق للجماعة ‏(‏وهو‏)‏ أي الشيطان ‏(‏من الاثنين أبعد‏)‏ أي بعيد‏.‏ قال الطيبي‏:‏ أفعل هنا لمجرد الزيادة ولو كان مع الثلاثة لكان بمعنى التفضيل، إذ البعد مشترك بين الثلاثة والاثنين دون الاثنين والفذ، على ما لا يخفى ‏(‏من أراد بحبوحة الجنة‏)‏ بضم الموحدتين أي من أراد أن يسكن وسطها وخيارها ‏(‏من سرته حسنته‏)‏ أي إذا وقعت منه ‏(‏وساءته سيئته‏)‏ أي أحزنته إذا صدرت عنه ‏(‏فذلكم المؤمن‏)‏ أي الكامل لأن المنافق حيث لا يؤمن بيوم القيامة استوت عنده الحسنة والسيئة‏.‏ وقد قال تعالى ‏{‏ولا تستوى الحسنة ولا السيئة‏}‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أحمد والحاكم، وذكره صاحب المشكاة هذا الحديث في مناقب الصحابة ولم يعزه إلى أحد من أئمة الحديث بل ترك بياضاً‏.‏ قال القاري‏:‏ هنا بياض في أصل المصنف وألحق به النسائي وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن الحسن الخثعمي فإنه لم يخرج له الشيخان وهو ثقة ثبت ذكره الجزري، فالحديث بكماله إما صحيح أو حسن انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سليمان‏)‏ بن سفيان التيمي مولاهم أبو سفيان المدني، ضعيف من الثامنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن الله لا يجمع أو قال أمة محمد على ضلالة‏)‏ شك من الراوي قال القاري في المرقاة‏.‏ قال ابن الملك‏:‏ المراد أمة الإجابة أي لا يجتمعون على ضلالة غير الكفر‏.‏ ولذا ذهب بعضهم إلى أن اجتماع الأمة على الكفر ممكن بل واقع إلا أنها لا تبقى بعد الكفر أمة له‏.‏ والمنفي اجتماع أمة محمد على الضلالة، وإنما حمل الأمة على أمة الإجابة لما ورد‏:‏ أن الساعة لا تقوم إلا على الكفار‏.‏ فالحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق والمراد إجماع العلماء ولا عبرة بإجماع العوام لأنه لا يكون عن علم ‏(‏يد الله على الجماعة‏)‏ أي حفظه وكلاءته عليهم، يعني أن جماعة أهل الإسلام في كنف الله فأقيموا في كنف الله بين ظهرانيهم ولا تفارقوهم ‏(‏ومن شذ‏)‏ أي انفرد عن الجماعة باعتقاد أو قول أو فعل لم يكونوا عليه ‏(‏شذ إلى النار‏)‏ أي انفرد فيها‏.‏ ومعناه انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة وألقي في النار‏.‏ قال الشيخ عبد الحق في ترجمة المشكاة ما لفظه‏:‏ ومن شذ شذ في النار وكسى كه تنها افتداز جماعت وبيرون ايداز سواد أعظم انداخته ميشود دراتش دوزخ شذاول برصيغه معلوم ست ودوم مجهول وبمعلوم نيزامده انتهى‏.‏

والحديث قد استدل به على حجية الإجماع وهو حديث ضعيف، لكن له شواهد‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ قوله وأمته معصومة لا تجتمع على الضلالة‏.‏ هذا في حديث مشهور له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال‏.‏ منها لأبي داود عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً‏:‏ ‏"‏إن الله أجاركم من ثلاث خلال‏:‏ أن لا يدعو عليكم نبيكم لتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا يجتمعوا على ضلالة‏"‏، وفي إسناده انقطاع‏.‏ وللترمذي والحاكم عن ابن عمر مرفوعاً‏:‏ ‏"‏لا تجتمع هذه الأمة على ضلال أبداً‏"‏‏.‏ وفيه سليمان بن سفيان المدني وهو ضعيف‏:‏ وأخرج الحاكم له شواهد ويمكن الاستدلال له بحديث معاوية مرفوعاً‏:‏ لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، أخرجه الشيخان ووجه الاستدلال منه أن بوجود هذه الطائفة القائمة بالحق إلى يوم القيامة لا يحصل الاجتماع على الضلالة‏.‏ وقال ابن أبي شيبة أخبرنا أبو أسامة عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن يسير بن عمرو قال‏:‏ شيعنا ابن مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية فدخل بستاناً فقضى حاجته، ثم توضأ ومسح على جوربيه ثم خرج وإن لحيته ليقطر منها الماء، فقلنا له عهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتن، ولا ندري هل نلقاك أم لا، قال‏:‏ اتقوا الله واصبراوا حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة‏.‏ إسناده صحيح ومثله لا يقال من قبل الرأي‏.‏ وله طريق أخرى عنده عن يزيد بن هارون عن التيمي عن نعيم بن أبي هند‏:‏ أن أبا مسعود خرج من الكوفة فقال عليكم بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلال انتهى‏.‏ وروى الدارمي عن عمرو بن قيس مرفوعاً‏:‏ ‏"‏نحن الاَخرون ونحن السابقون يوم القيامة‏"‏ الحديث‏.‏ وفي آخره‏:‏ ‏"‏وإن الله وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث‏:‏ لا يعمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة‏"‏ وروى أحمد في مسنده عن أبي ذر مرفوعاً‏:‏ أنه قال اثنان خير من واحد وثلاث خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لن يجمع أمتي إلا على هدى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وسليمان المديني هو عندي سليمان بن سفيان‏)‏ قال الترمذي في العلل المفرد عن البخاري‏:‏ إنه منكر الحديث، كذا في تهذيب التهذيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عباس‏)‏ أخرجه الترمذي بعد هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى بن موسى‏)‏ البلخي لقبه خت ‏(‏حدثنا عبد الرزاق‏)‏ بن همام ابن نافع الحميري الصنعاني ‏(‏أخبرنا إبراهيم بن ميمون‏)‏ الصنعاني أو الزبيدي بفتح الزاي ثقة من الثامنة ‏(‏عن ابن طاؤس‏)‏ اسمه عبد الله بن طاؤس بن كيسان اليماني كنيته أبو محمد ثقة فاضل ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو طاؤس بن كيسان اليماني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يد الله مع الجماعة‏)‏ وفي رواية ابن عمر المتقدمة على الجماعة‏.‏ قال في النهاية‏:‏ أي أن الجماعة المتفقة من أهل الإسلام في كنف الله ووقايته فوقهم وهم بعيد من الأذى والخوف، فأقيموا بين ظهرانيهم انتهى‏.‏ قال في المجمع أي سكينته ورحمته مع المتفقين وهم بعيد من الخوف والأذى والاضطراب، فإذا تفرقوا زال السكينة وأوقع بأسهم بينهم وفسدت الأحوال انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ رواته كلهم ثقات ويؤيده حديث ابن عمر المتقدم‏.‏

1445- باب مَا جَاءَ في نُزُولِ الْعَذَابِ إِذَا لَمْ يُغَيّرْ المُنْكَر

2194- حَدّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، حدثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالِدٍ عن قَيْسِ بنِ أبي حازِمٍ عن أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ أَنّهُ قال‏:‏ يا أَيّهَا النّاسُ إِنّكُمْ تَقْرَأُونَ هَذِهِ الايَةَ‏:‏ ‏{‏يا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏، وإِنّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏إِنّ النّاسَ إِذَا رَأَوْا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمّهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْهُ‏"‏‏.‏

2195- حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن إِسماعيلَ بن أبي خالِدٍ نحوَهُ‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن عائشةَ وَأُمّ سَلَمَةَ وَالنّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ وعبدِ الله بنِ عُمَرَ وحُذَيْفَةَ‏.‏ وهذا حديث صحيح هكذا رَوَى غيرُ وَاحِدٍ عن إِسماعيلَ نحوَ حديث يَزِيدَ، وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عن إِسماعيلَ، وأَوقَفَهُ بَعْضُهُمْ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إسماعيل بن أبي خالد‏)‏ الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة ثبت من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الاَية‏)‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ أي الزموا حفظ أنفسكم عن المعاصي فإذا حفظتم أنفسكم لم يضركم إذا عجزتم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضلال من ضل بارتكاب المناهي إذا اهتديتم إلى اجتنابها ‏(‏وإني‏)‏ أي أنكم تقرأون هذه الاَية، وتجرون على عمومها، وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس كذلك فإني ‏(‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن الناس‏)‏ أي المطيقين لإزالة المنكر مع سلامة العافية ‏(‏إذا رأوا الظالم‏)‏ أي علموا ظلمه وفسقه وعصيانه ‏(‏فلم يأخذوا على يديه‏)‏ أي لم يكفوه عن الظلم بقول أو فعل ‏(‏أوشك‏)‏ بفتح الهمزة والشين أي قارب أو أسرع ‏(‏أن يعمهم الله بعقاب منه‏)‏ إما في الدنيا أو الاَخرة أو فيهما، لتضييع فرض الله بلا عذر‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ خاف الصديق أن يتأول الناس الاَية غير تأويلها، فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف فأعلمهم أنها ليست كذلك، وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره عن المنكر هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به، وقد صولحوا عليه، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه‏.‏ وقال النووي‏:‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم‏}‏ الاَية فليست مخالفة لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الاَية أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ فإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف إذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك عليه، لكونه أدى ما عليه‏.‏ ويأتي باقي الكلام على هذه الاَية في تفسير سورة المائدة‏.‏ وحديث أبي بكر هذا أخرجه الترمذي في تفسير سورة المائدة، وقال هذا حديث حسن صحيح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وأم سلمة والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمر وحذيفة‏)‏ أما حديث عائشة فأخرجه ابن حبان في صحيحه، وأما حديث أم سلمة فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه البخاري والترمذي وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الأصبهاني‏.‏ وأما حديث حذيفة فأخرجه الترمذي في الباب الذي يليه‏.‏

1446- باب ما جاءَ في الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنّهْيِ عَنِ المُنْكَر

قال الجزري في النهاية‏:‏ المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه‏.‏ والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس‏.‏ والمنكر ضد ذلك جميعه انتهى

2196- حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عبدُ الْعَزِيز بنُ محمدٍ عن عَمْرٍو بنِ أبي عَمْرٍو، وعبدِ الله الأنْصَارِيّ، عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنّ عَنِ المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَ تَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ‏"‏‏.‏

2197- حدّثنا عليّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن عَمْرِ بن أبي عَمْرٍو بهذا الإِسنادِ نحوَه هذا حديث حسن‏.‏

2198- حدّثنا قُتَيْبَةُ‏.‏ أخبرنا عبدُ الْعَزِيزِ بنُ محمدٍ عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو عن عبدِ الله وهو ابن عبدِ الرحمن الأنصاريّ الأشهَليّ عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ، أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ، وتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمُ، ويَرِثُ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏ إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو‏.‏

2199- حَدّثنا نَصْرُ بنُ عَليّ الجهضمي، حدثنا سُفْيَانُ عن محمدِ بنِ سُوقَةَ عن نَافِعِ بنِ جُبَيْرٍ عن أُمّ سَلَمَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَنّهُ ذَكَرَ الْجَيْشَ الّذِي يُخْسَفُ بِهِمْ، فقالت أُمّ سَلَمَةَ‏:‏ لَعَلّ فِيهِمْ المُكْرَهُ، قال‏:‏ ‏"‏إِنّهُمْ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيّاتِهِمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن نَافِعِ بنِ جُبيْرٍ عن عائشةَ أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمرو بن أبي عمرو‏)‏ اسمه ميسرة مولى المطلب المدني أبو عثمان ثقة ربما وهم من الخامسة ‏(‏عن عبد الله الأنصاري‏)‏ هو عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي‏.‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب‏:‏ عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري الأشهلي حجازي، روى عن حذيفة وعنه عمرو بن أبي عمر، وذكره ابن حبان في الثقات‏.‏ روى له الترمذي ثلاثة أحاديث اثنان في أمور تقع قبل الساعة، وافقه ابن ماجه في أحدهما، والاَخر في الأمر بالمعروف‏.‏ قال في سؤالات عثمان الدارمي يحيى بن معين قال‏:‏ لا أعرفه‏.‏ وقال في التقريب‏:‏ مقبول من الثالثة ‏(‏عن حذيفة بن اليمان‏)‏ واسم اليمان حسيل مصغراً، ويقال حسل العبسي بالموحدة، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، صح في مسلم عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة‏.‏ وأبوه صحابي أيضاً استشهد بأحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو ليوشكن‏)‏ أي ليسرعن ‏(‏عذاباً منه‏)‏‏.‏ وفي بعض النسخ عقاباً منه ‏(‏فتدعونه‏)‏ أي تسألونه ‏(‏فلا يستجيب لكم‏)‏ والمعنى والله أن أحد الأمرين واقع إما الأمر والنهي منكم، وإما إنزال العذاب من ربكم، ثم عدم استجابة الدعاء له في دفعه عنكم، بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان فإن كان الأمر والنهي لم يكن عذاب، وإن لم يكونا كان عذاب عظيم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ ذكر المنذري هذا الحديث في الترغيب، ونقل تحسين الترمذي وأقره‏.‏ ورواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة كما في الجامع الصغير للسيوطي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى تقتلوا إمامكم‏)‏ يعني السلطان ‏(‏وتجتلدوا بأسيافكم‏)‏ أي تضربوا بها يعني مقاتلة المسلمين بينهم ‏(‏ويرث دنياكم شراركم‏)‏ أي يأخذ الظلمة الملك والمال‏.‏ وإيراد هذا الحديث في هذا الباب إما للإشعار بأن هذه الفتنة تقع من أجل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تنبيهاً على أن من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فهو من الذين وصفهم الله بخير الأمة‏.‏ فالشرار الذين يرثون الدنيا لا يكونون على هذا الوصف وكذا إيراد الحديث الاَتي كذا في هامش النسخة الأحمدية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه ابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذكر الجيش الذي يخسف بهم‏)‏ وفي رواية مسلم من طريق عبيد الله بن القبطية قال‏:‏ دخل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين، فسألاها عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير فقالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم، فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارهاً‏؟‏ قال‏:‏ يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ‏(‏إنهم يبعثون على نياتهم‏)‏ معناه إن الأمم التي تعذب ومعهم من ليس منهم يصاب جميعهم بآجالهم ثم يبعثون على نياتهم وأعمالهم، فالطائع يجازى بنيته وعمله، والعاصي تحت المشيئة، قاله المناوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجة‏.‏

1447- باب ما جاءَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالْيَدِ أَوْ بالّلسَانِ أَوْ بِالْقَلب

2200- حَدّثنا بُنْدَارٌ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيّ، حدثنا سُفْيَانُ عن قَيْسِ بنِ مُسْلِمٍ عن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ قال‏:‏ أَوّلُ مَنْ قَدّمَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصّلاَةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ رَجُلٌ فقال لِمَرْوَانَ‏:‏ خَالَفْتَ السّنّةَ‏.‏ فقال‏:‏ يَا فُلاَنُ تُرِكَ مَا هُنَاكَ‏.‏ فقال أبو سَعِيدٍ‏:‏ أَمّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ‏.‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏مَنْ رَأَى مُنْكَراً فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خالفت السنة‏)‏ لأن الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وقد عده بعضهم إجماعاً، قال النووي‏:‏ يعني والله أعلم بعد الخلاف أو لم يلتفت إلى خلاف بني أمية بعد إجماع الخلفاء والصدر الأول انتهى‏.‏ ‏(‏أما هذا فقد قضى ما عليه‏)‏ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‏(‏من رأى‏)‏ أي علم ‏(‏منكراً‏)‏ أي شيئاً قبحه الشرع فعلاً أو قولاً أي في غيره من المؤمنين ‏(‏فلينكره بيده‏)‏ وفي رواية الشيخين فليغيره أي بأن يمنعه بالفعل بأن يكسر الاَلات ويريق الخمر ويرد المغصوب إلى مالكه ‏(‏فمن لم يستطع‏)‏ أي التغيير باليد وإزالته بالفعل لكون فاعله أقوى منه ‏(‏فبلسانه‏)‏ أي فليغيره بالقول، وتلاوة ما أنزل الله من الوعيد عليه، وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة ‏(‏فمن لم يستطع‏)‏ أي التغيير باللسان أيضاً ‏(‏فبقلبه‏)‏ بأن لا يرضى به وينكر في باطنه على متعاطيه، فيكون تغييراً معنوياً إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير‏.‏ وقيل التقدير فلينكره بقلبه لأن التغيير لا يتصور بالقلب فيكون التركيب من باب علفتها تبناً وماء بارداً‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين تبوؤا الدار والإيمان‏}‏ ‏(‏وذلك‏)‏ أي الإنكار بالقلب وهو الكراهية ‏(‏أضعف الإيمان‏)‏ أي شعبه أو خصال أهله، والمعنى أنه أقلها ثمرة فمن غير المراتب مع القدرة كان عاصياً، ومن تركها بلا قدرة أو يرى المفسدة أكثر ويكون منكراً بقلبه، فهو من المؤمنين‏.‏ وقيل معناه‏:‏ وذلك أضعف زمن الإيمان إذ لو كان إيمان أهل زمانه قوياً لقدر على الإنكار القولي أو الفعلي ولما احتاج إلى الاقتصار على الإنكار القلبي، إذ ذلك الشخص المنكر بالقلب فقط أضعف أهل الإيمان، فإنه لو كان قوياً صلباً في الدين لما اكتفى به، ويؤيده الحديث المشهور‏:‏ ‏"‏أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر‏"‏‏.‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يخافون لومة لائم‏}‏ كذا في المرقاة‏.‏ واقتصر النووي في شرح قوله‏:‏ وذلك أضعف الإيمان على قوله معناه أقله ثمرة‏.‏ وقال‏:‏ إعلم أن هذا الباب أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جداً، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه‏.‏ وإذا كثر الخبث عم العقاب للصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقابه، ‏{‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم‏}‏‏.‏ فينبغي لطالب الاَخرة والساعي في تحصيل رضا الله عز وجل أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه ويخلص نيته ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏ولينصرن الله من ينصره‏}‏‏.‏ ثم ذكر النووي في ما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلاماً طويلاً حسناً نافعاً، فعليك أن تطالعه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم وأحمد في مسنده وأصحاب السنن‏.‏

1448- باب مِنْه

2201- حَدّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ حدثنا الأعمَشِ عن الشّعْبِيّ عن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَثَلُ الْقَائمِ عَلَى حُدُودِ الله وَالمُدْهِنِ فِيهَا كَمثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ في الْبَحْرِ، فَأَصَابَ بَعْضِهُمْ أَعْلاَهَا وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الّذِينَ في أَسْفَلهَا يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ فَيَصُبّونَ عَلَى الّذِينَ في أَعْلاَهَا، فَقَالَ الّذِينَ في أَعْلاَهَا‏:‏ لاَ نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ فَتُؤْذُونَنَا، فَقَالَ الّذِينَ في أَسْفَلِهَا‏:‏ فَإِنّا نَنْقُبُهَا في أَسْفَلِهَا فَنَسْتَقِي، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ نَجَوْا جَمِيعاً، وإنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مثل القائم على حدود الله‏)‏ أي الاَمر بالمعروف والناهي عن المنكر ‏(‏والمدهن فيها‏)‏ بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الهاء وبالنون، والمراد به من يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر، والمدهن والمداهن واحد ‏(‏كمثل قوم استهموا على سفينة‏)‏ أي اقتسموا محالها ومنازلها بالقرعة ‏(‏فأصاب بعضهم أعلاها‏)‏ أي أعلى السفينة، وفي رواية للبخاري‏:‏ فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها ‏(‏أسفلها‏)‏ أي في أسفل السفينة بيان للبحر ‏(‏لا ندعكم‏)‏ بفتح الدال أي لا نترككم ‏(‏فإنا ننقبها‏)‏ أي نثقبها ‏(‏فإن أخذوا على أيديهم‏)‏ أي أمسكوا أيديهم ‏(‏نجوا جميعاً الخ‏)‏ المعنى أنه كذلك إن منع الناس الفاسق عن الفسق نجا ونجوا من عذاب الله تعالى، وإن تركوه على فعل المعصية ولم يقيموا عليه الحد، حل بهم العذاب وهلكوا بشؤمه‏.‏ وهذا معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة‏}‏ أي بل تصيبكم عامة بسبب مداهنتكم‏.‏ والفرق بين المداهنة المنهية والمداراة المأمورة، أن المداهنة في الشريعة أن يرى منكراً ويقدر على دفعه ولم يدفعه حفظاً لجانب مرتكبه أو جانب غيره لخوف أو طمع أو لاستحياء منه أو قلة مبالاة في الدين‏.‏ والمداراة موافقته بترك حظ نفسه وحق يتعلق بماله وعرضه فيسكت عنه دفعاً للشر ووقوع الضرر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري في الشركة وفي الشهادات‏.‏

1449- باب ما جاء أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِندَ سُلْطَانٍ جَائِر

2202- حَدّثنا الْقَاسِمُ بنُ دِينَارٍ الْكُوفِيّ، أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مُصْعَبٍ أبو يَزِيدَ، أخبرنا إِسرائيلُ عن محمدِ بنِ جُحَادَةَ عن عَطِيّةَ عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إِنّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي أُمَامَةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا القاسم بن دينار الكوفي‏)‏ هو القاسم بن زكرياء بن دينار القرشي أبو محمد الكوفي الطحان، وربما نسب إلى جده، ثقة من الحادية عشرة ‏(‏أخبرنا عبد الرحمن بن مصعب أبو يزيد‏)‏ الأزدي ثم المعنى بفتح الميم وسكون المهملة وكسر النون ثم ياء النسبة القطان الكوفي نزيل الري، مقبول من التاسعة ‏(‏عن محمد بن جحادة‏)‏ بضم الجيم وتخفيف المهملة ثقة من الخامسة ‏(‏عن عطية‏)‏ بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيراً، كان شيعياً مدلساً من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن من اعظم الجهاد‏)‏ وفي رواية أفضل الجهاد ‏(‏كلمة عدل‏)‏ أي كلمة حق كما في رواية والمراد بالكلمة ما أفاد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر من لفظ أو ما في معناه ككتابة ونحوها ‏(‏عند سلطان جائر‏)‏ أي صاحب جور وظلم‏.‏ قال الخطابي‏:‏ وإنما صار ذلك أفضل الجهاد، لأن من جاهد العدو كان متردداً بين الرجاء والخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب‏.‏ وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف، وأهدف نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف‏.‏ وقال المظهر‏:‏ وإنما كان أفضل لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير، فإذا نهاه عن الظلم فقد أوصل النفع إلى خلق كثير بخلاف قتل كافر انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي امامة‏)‏ أخرجه أحمد في مسنده، وابن ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان وعزاه المنذري في الترغيب إلى ابن ماجه وقال إسناده صحيح‏.‏ وفي الباب أيضاً عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي‏:‏ أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم- وقد وضع رجله في الغرز- أي الجهاد أفضل قال‏:‏ ‏"‏كلمة حق عند سلطان جائر‏"‏، رواه النسائي‏.‏ قال المنذري في الترغيب إسناده صحيح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود وابن ماجه‏.‏ قال المنذري في تلخيص السنن بعد نقل تحسين الترمذي، وعطية العوفي لا يحتج بحديثه‏.‏ قلت ويشهد له حديث أبي أمامة وحديث طارق بن شهاب المذكوران‏.‏

1450- باب ما جاء في سُؤَالِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثاً في أُمّتِه

2203- حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، حدثنا أَبِي قال‏:‏ سَمِعْتُ النّعْمَانَ بنَ رَاشِدٍ يحدّث عن الزّهريّ عن عبدِ الله بنِ الحارِثِ عن عبدِ الله بنِ خَبّابِ بنِ الأَرَثّ عن أَبِيهِ قال‏:‏ ‏"‏صَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ فَأَطَالَها فقالوا‏:‏ يا رسولَ الله صَلّيْتَ صَلاَةً لَمْ تَكُنْ تُصَلّيهَا، قال‏:‏ ‏"‏أَجَلْ إِنّهَا صَلاَةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، إِنّي سَأَلْتُ الله فِيهَا ثَلاَثاً فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً‏:‏ سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهلِكُ أُمّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُسَلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًا مِنْ غَيْرِهِمِ فأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ‏.‏

وفي البابِ عن سَعْدٍ وابنِ عُمَرَ‏.‏

2204- حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ، عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي أَسْمَاءَ الرّحبي عن ثَوْبَانَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنّ الله زَوَى لِي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَها وَمَغَارِبَهَا، وإِنّ أُمّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ والأَصْفَرَ، وَإِنّي سَأَلْتُ رَبّيَ لأِمّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامّةٍ، وَأَنْ لا يُسَلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإِنّ رَبّيَ قَالَ‏:‏ يا محمدُ إِنّي إذا قَضَيْتُ قَضَاءً فإِنّهُ لا يُرَدّ، وإِنّي أَعْطَيْتُكَ لأِمّتِكَ أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامّةٍ أُسَلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّا من سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا- أَوْ قَالَ‏:‏ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا- حَتّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضاً وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سمعت النعمان بن راشد‏)‏ الجزري أبا إسحاق الرقي مولى بني أمية صدوق سيء الحفظ من السادسة ‏(‏عن عبد الله بن خباب‏)‏ بالخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ‏(‏بن الأرث‏)‏ بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة المدني حليف بني زهرة يقال له رؤبة، ووثقه العجلي فقال ثقة من كبار التابعين قتله الحرورية‏.‏ قال في تهذيب التهذيب‏:‏ روى له الترمذي والنسائي حديثاً واحداً أنه صلى ليلة وقال‏:‏ ‏"‏سألت ربي ثلاث خصال‏"‏ انتهى ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو خباب بن الأرت التميمي أبو عبد الله بن السابقين إلى الإسلام، وكان يعذب في الله، وشهد بدراً ثم نزل الكوفة ومات بها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فأطالها‏)‏ أي جعلها طويلة باعتبار أركانها أو بالدعاء فيها ‏(‏صليت صلاة‏)‏ أي عظيمة ‏(‏لم تكن تصليها‏)‏ أي عادة ‏(‏قال أجل‏)‏ أي نعم ‏(‏إنها صلاة رغبة‏)‏ أي رجاء ‏(‏ورهبة‏)‏ أي خوف‏.‏ قيل‏:‏ أي صلاة فيها رجاء للثواب، ورغبة إلى الله وخوف منه تعالى‏.‏ قال القاري‏:‏ الأظهر أن يقال المراد به إن هذه صلاة جامعة، بين قصد رجاء الثواب وخوف العقاب، بخلاف سائر الصلوات إذ قد يغلب فيها أحد الباعثين على أدائها‏.‏ قالوا وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يدعون ربهم خوفاً وطعماً‏}‏ بمعنى أو لمانعة الخلو‏.‏ ثم لما كان سبب صلاته الدعاء لأمته وهو كان بين رجاء الإجابة وخوف الرد طولها‏.‏ ولذا قال ‏(‏وإني سألت الله فيها ثلاثاً‏)‏ أي ثلاث مسائل ‏(‏ومنعني واحدة‏)‏ تصريح بما علم ضمناً ‏(‏بسنة‏)‏ أي بقحط عام ‏(‏عدواً من غيرهم‏)‏ وهم الكفار، لأن العدو من أنفسهم أهون ولا يحصل به الهلاك الكلي ولا إعلاء كلمته السفلى ‏(‏أن لا يذيق بعضهم بأس بعض‏)‏ أي حربهم وقتلهم وعذابهم ‏(‏فمنعنيها‏)‏ أي المسألة الثالثة ولم يعطنيها‏.‏ قال الطيبي رحمه الله هو من قوله تعالى ‏{‏أو يلبسكم شيعاً‏}‏ أي يجعل كل فرقة منكم متابعة لإمام وينشب القتال بينكم وتختلطوا وتشتبكوا في ملاحم القتال يضرب بعضكم رقاب بعض ويذيق بعضكم بأس بعض‏.‏ المعنى يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه النسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سعد وابن عمر‏)‏ أما حديث سعد وهو ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة فأخرجه مسلم وفيه‏:‏ ‏"‏سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها‏"‏‏.‏ وأما حديث ابن عمر فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي أسماء‏)‏ الرحبي، اسمه عمر بن مرثد الدمشقي، ويقال اسمه عبد الله ثقة من الثالثة ‏(‏عن ثوبان‏)‏ الهاشمي مولى النبي صلى الله عليه وسلم، صحبه ولازمه ونزل بعده الشام ومات بحمص‏.‏

قوله‏:‏ ‏"‏إن الله زوى لي الأرض‏"‏ أي جمعها لأجلي‏.‏ قال التوربشتي زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد به تقريب البعيد منها، حتى اطلع عليه إطلاعه على القريب منها ‏(‏فرأيت مشارقها ومغاربها‏)‏ أي جميعها ‏"‏وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها‏"‏ قال الخطابي توهم بعض الناس أن من في منها للتبعيض، وليس ذلك كما توهمه بل هي للتفصيل للجملة المتقدمة، والتفصيل لا يناقض الجملة، ومعناه أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تفتح لأمتي جزأ فجزأ حتى يصل ملك أمتي إلى كل أجزائها، قال القاري‏:‏ ولعل وجه من قال بالتبعيض هو أن ملك هذه الأمة ما بلغ جميع الأرض فالمراد بالأرض أرض الإسلام، وأن ضمير منها راجع إليها على سبيل الاستخدام ‏(‏وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض‏)‏ بدلان مما قبلهما أي كنز الذهب والفضة‏.‏ قال التوربشتي‏:‏ يريد بالأحمر والأبيض خزائن كسرى وقيصر، وذلك أن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم ‏(‏بسنة عامة‏)‏ أي بقحط شائع لجميع بلا المسلمين‏.‏ قال الطيبي‏:‏ السنة القحط والجدب وهي من الأسماء الغالبة ‏(‏وأن لا يسلط عليهم عدواً‏)‏ وهم الكفار‏.‏ وقوله‏:‏ ‏"‏من سوى أنفسهم‏"‏ صفة ‏"‏عدواً‏"‏ أي كائناً من سوى أنفسهم ‏"‏فيستبيح‏"‏ أي العدو وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد أي يستأصل ‏(‏بيضتهم‏)‏ قال الجزري في النهاية أي مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار وسطها ومعظمها، أراد عدواً يستأصلهم ويهلكهم جميعهم، قيل أراد إذا أهلك أصل البيضة كان هلاك كل ما فيها من طعم أو فرخ‏.‏ وإذا لم يهلك أصل البيضة بما سلم بعض فراخها‏.‏ وقيل أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبه مكان اجتماعهم والتآمهم ببيضة الحديد، انتهى ما في النهاية‏.‏ ‏(‏إذا قضيت قضاء‏)‏ أي حكمت حكماً مبرماً ‏(‏فإنه لا يرد‏)‏ أي بشيء لخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء أو عدمه ‏(‏وإني أعطيتك‏)‏ أي عهدي وميثاقي ‏(‏لأمتك‏)‏ أي لأجل أمة إجابتك ‏(‏أن لا أهلكهم بسنة عامة‏)‏ أي بحيث يعمهم القحط ويهلكهم بالكلية، قال الطيبي‏:‏ اللام في لأمتك هي التي في قوله سابقاً‏:‏ سألت ربي لأمتي أي أعطيت سؤالك لدعائك لأمنك والكاف هو المفعول الأول‏.‏ وقوله‏:‏ أن لا أهلكهم المفعول الثاني كما هو في قوله‏:‏ سألت ربي أن لا يهلكها هو المفعول الثاني ‏(‏ولو اجتمع عليهم من‏)‏ أي الذين هم ‏(‏بأقطارها‏)‏ أي بأطرافها جمع قطر وهو الجانب والناحية‏.‏ والمعنى فلا يستبيح عدو من الكفار بيضتهم ولو اجتمع على محاربتهم من أطراف بيضتهم‏.‏ وجواب لو ما يدل عليه قوله، وأن لا أسلط ‏(‏أو قال من بين أقطارها‏)‏ أو الشك من الراوي ‏(‏ويسبي‏)‏ كيرمي بالرفع عطف على يهلك أي ويأسر ‏(‏بعضهم‏)‏ بوضع الظاهر موضع المضمر ‏(‏بعضاً‏)‏ أي بعضاً آخر‏.‏ قال الطيبي حتى بمعنى كي أي لكي يكون بعض أمتك يهلك بعضاً، فقوله إني إذا قضيت قضاء فلا يرد توطئة لهذا المعنى، ويدل عليه حديث خباب بن الأرت يعني حديثه المذكور في هذا الباب، قال المظهر‏:‏ اعلم أن الله تعالى في خلقه قضاءين مبرماً ومعلقاً بفعل، كما قال إن الشيء الفلاني كان كذا وكذا، وإن لم يفعله فلا يكون كذا وكذا من قبيل ما يتطرق إليه المحو والإثبات كما قال تعالى في محكم كتابه ‏{‏يمحو الله ما يشاء ويثبت‏}‏ وأما القضاء المبرم فهو عبارة عما قدره سبحانه في الأزل من غير أن يعلقه بفعل، فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ، بحيث لا يتغير بحال ولا يتوقف على المقضى عليه، ولا المقضي له، لأنه من علمه بما كان وما يكون، وخلاف معلومة مستحيل قطعاً، وهذا من قبيل ما لا يتطرق إليه المحو والإثبات قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا معقب لحكمه‏}‏ وقال النبي عليه السلام‏:‏ ‏"‏لا مرد لقضائه ولا مرد لحكمه‏"‏‏.‏ فقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا قضيت قضاء فلا يرد من القبيل الثاني‏"‏، ولذلك لم يجب إليه، وفيه أن الأنبياء مستجابو الدعوة إلا في مثل هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

1451- باب ما جاءَ كيف يَكُونُ الرجل في الْفِتْنَة

2205- حَدّثنا عِمَرانُ بنُ مُوسَى الْقَزّازُ الْبَصْرِيّ، أخبرنا عبدُ الْوارِثِ بنُ سعيدٍ، حدثنا محمدُ بنُ جُحَادَةَ عن رَجُلٍ عن طَاوسٍ عن أُمّ مَالِكٍ الْبَهْزِيّةِ قالت‏:‏ ‏"‏ذَكَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فِتْنَةً فَقرّبَهَا، قالت‏:‏ قُلْتُ يا رسولَ الله، مَنْ خَيْرُ النّاسِ فِيهَا‏؟‏ قال‏:‏ رَجُلٌ في مَاشِيتِهِ يُؤَدّي حَقّهَا وَيعْبُدُ رَبّهُ، وَرَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوّ ويخيفونه‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أُمّ مُبَشّرٍ وأبي سعيدٍ الخُدْرِيّ وابن عبّاسٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ‏.‏

وقد رَوَاهُ الليثُ بنُ أبي سُلَيْمٍ عن طَاوسٍ عن أُمّ مَالِكٍ الْبَهْزِيّةِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

2206- حَدّثنا عبدُ الله بنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيّ، أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن لَيْثٍ عن طَاوسٍ عن زِيَادِ بنِ سِيِمينَ كُوشَ عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تَكُونُ فِتْنَةُ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ قَتْلاَهَا في النّارِ‏.‏ الّلسَانُ فِيهَا أَشَدّ مِنَ السّيْفِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ‏.‏

سَمِعْتُ محمدَ بنَ إِسماعيلَ يقولُ‏:‏ لا يعرِفُ لِزِيَادِ بنِ سِيمِينَ كُوشَ غيرَ هذا الحديثِ‏.‏ رَوَاهُ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن لَيْثٍ فَرَفَعَهُ‏.‏ وَرَوَاهُ حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن لَيْثٍ فأوقفه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عمران بن موسى‏)‏ بن حبان ‏(‏القزاز‏)‏ الليثي أبو عمرو ‏(‏البصري‏)‏ صدوق من العاشرة ‏(‏أخبرنا عبد الوارث بن سعيد‏)‏ بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري البصري ثقة ثبت رمي بالقدر، ولم يثبت عنه من الثامنة ‏(‏عن أم مالك البهزية‏)‏ صحابية لها حديث الباب كما في تهذيب التهذيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلمفتنة فقربها‏)‏ بتشديد الراء أي فعدها قريبة الوقوع، قال الأشرف معناه وصفها للصحابة وصفاً بليغاً، فان من وصف عند أحد وصفاً بليغاً فكأنه قرب ذلك الشيء إليه ‏(‏قال رجل في ماشيته‏)‏ أي من الغنم ونحوها قال في المجمع‏:‏ الماشية تقع على الإبل والبقر والغنم والأخير أكثر ‏(‏يؤدي حقها‏)‏ أي من زكاة وغيرها ‏(‏ورجل آخذ‏)‏ الصيغة اسم الفاعل أي ماسك ‏(‏يخيف العدو‏)‏ من الإخافة بمعنى التخويف أي يرتبط في بعض ثغور المسلمين يخوف الكفار ويخوفونه‏.‏ قال المظهر‏.‏ يعني رجل هرب من الفتن وقتال المسلمين، وقصد الكفار يحاربهم ويحاربونه، يعني فيبقى سالماً من الفتنة وغانماً للأجر والمثوبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أم مبشر وأبي سعيد الخدري وابن عباس‏)‏ أما حديث أم مبشر وهي الأنصارية فأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني كذا في الترغيب وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه البخاري عنه مرفوعاً‏:‏ ‏"‏يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن‏"‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في باب أي الناس خير من أبواب فضائل الجهاد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الليث‏)‏ هو ابن أبي سليم ‏(‏عن زياد بن سيمين كوش‏)‏ قال في التقريب زياد بن سليم العبدي مولاهم أبو أمامة المعروف بالأعجم الشاعر مقبول من الثالثة‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته وهو زياد‏.‏‏.‏ سيمين كوش مولى عبد القيس روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره وعنه طاوس وغيره، روى له الثلاثة حديثاً واحداً في الفتن وسيمين كوش بكسر المهملة والميم بينهما مثناة من تحت بعد الميم أخرى، ثم نون ساكنة وكاف مضمومة وواو ساكنة ثم معجمة ثم قيل هو اسم والده وقيل بل لقبه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏"‏تكون الفتنة تستنظف العرب‏"‏ أي تستوعبهم هلاكاً، يقال استنظفت الشيء إذا أخذته كله ومنه قولهم استنظفت الخراج ولا يقال نظفته كذا في النهاية‏.‏ قال القاري وقيل أي تطهرهم من الأرذال وأهل الفتن ‏(‏قتلاها‏)‏ جمع قتيل بمعنى مقتول مبتدأ خبره قوله‏:‏ ‏(‏في النار‏)‏ أي سيكونون في النار أو هم حينئذ في النار لأنهم يباشرون ما يوجب دخولهم في النار كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الأبرار لفي نعيم‏}‏ قال القاضي رحمه الله‏:‏ المراد بقتلاها من قتل في تلك الفتنة، وإنما هم من أهل النار لأنهم ما قصدوا بتلك المقاتلة والخروج إليها إعلاء دين أو دفع ظالم أو إعانة محق وإنما كان قصدهم التباغي والتشاجر طمعاً في المال والملك ‏(‏اللسان فيها‏)‏ أي وقعه وطعنه على تقدير مضاف، ويدل عليه رواية إشراف اللسان أي اطلاقه وإطالته ‏(‏أشد من السيف‏)‏ أي وقع السيف كما في رواية لأن السيف إذا ضرب به أثر في واحد واللسان تضرب به في تلك الحالة الف نسمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود في باب كف اللسان من كتاب الفتن والنسائي وابن ماجه ‏(‏سمعت محمد بن إسماعيل يقول‏:‏ لا نعرف لزياد بن سيمين كوش غير هذا الحديث الخ‏)‏ قال المنذري وذكر البخاري في تاريخه‏:‏ إن حماد بن سلمة رواه عن ليث ورفعه‏.‏ ورواه حماد بن زيد وغيره عن عبد الله بن عمرو قوله قال وهذا أصح من الأول وهكذا قال فيه زياد بن سيمين كوش‏.‏ وقال غيره‏:‏ زياد سيمين كوش واستشهد به البخاري وكان من العباد، ولكنه اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به، وتكلم فيه غير واحد انتهى كلام المنذري‏.‏

1452- باب ما جَاءَ في رَفْعِ الأَمَانَة

2207- حَدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعَمشِ عن زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عن حُذَيْفَةَ بن اليمان قال‏:‏ حَدّثَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الاَخَرَ، حَدّثَنَا أَنّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ في جذْرِ قُلُوبِ الرّجَالِ ثُمّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فعلموا وَعَلِمُوا مِنَ السّنّةِ، ثُمّ حَدّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانِةِ فَقَالَ‏:‏ ‏"‏يَنَامُ الرّجُلُ النّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيظَلّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمّ يَنَامُ نَوْمَةً فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ من قلبه فَيَظَلّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفَطَتْ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهَا عَلَى رِجْلِهِ، قال‏:‏ فَيُصْبِحُ النّاسُ يَتَبَايَعُونَ لا يكادُ أَحَدٌ يُؤَدّي الأَمَانَةَ حَتّى يُقَالَ إِنّ في بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِيناً، وَحَتّى يُقَالَ لِلرّجُلِ مَا أَجْلَدَهُ وَأَظْرَفَهُ وَأَعْقَلَهُ وَمَا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وَلَقَدْ أَتَى عَلَيّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيّكُمْ بَايَعْتُ فِيهِ، لإِنْ كَانَ مُسْلِماً لَيَرُدّنّهُ عَلَيّ دِينُهُ، وَلِئنْ كَانَ يَهُودِياً أَوْ نَصْرَانِيّا لَيَرُدّنّهُ عَلَيّ سَاعِيهِ، فَأَمّا الْيَوْمَ فمَا كُنْتُ أُبَايِعُ مِنْكُمْ إِلاّ فُلاَناً وَفُلاَناً‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين‏)‏ أي في أمر الأمانة الحادثة في زمن الفتنة، قال النووي رحمه الله‏:‏ الأول حدثنا أن الأمانة نزلت إلى آخره، والثاني حدثنا عن رفعها، قد رأيت أحدهما، وهو نزول الأمانة ‏(‏وأنا انتظر الاَخر‏)‏ وهو رفع الأمانة ‏(‏حدثنا‏)‏ وهو الحديث الأول ‏(‏أن الأمانة‏)‏ المذكورة في قوله تعالى ‏{‏إنا عرضنا الأمانة‏}‏ وهي عين الإيمان، أو كل ما يخفي ولا يعلمه إلا الله من المكلف أو المراد بها التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده أو العهد الذي أخذه عليهم ‏(‏نزلت في جذر قلوب الرجال‏)‏ بفتح الجيم ويكسر وسكون الذال المعجمة بعدها راء أي في أصل قلوبهم، وجذر كل شيء أصله أي أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب الرجال واستولت عليها فكانت هي الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة وهذا هو المعنى بقوله‏:‏ ‏(‏ثم نزل القرآن فعلموا‏)‏ أي بنور الإيمان ‏(‏من القرآن‏)‏ أي مما يتلقون عنه صلى الله عليه وسلم واجباً كان أو نفلاً، حراماً أو مباحاً، مأخوذاً من الكتاب أو الحديث ‏(‏وعلموا من السنة‏)‏ وفي رواية البخاري، ثم علموا من السنة بإعادة ثم، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنة‏.‏

‏(‏ثم حدثنا‏)‏ وهو الحديث الثاني ‏(‏عن رفع الأمانة‏)‏ أي عن ذهابها أصلاً حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلا النادر ولا يعكر على ذلك ما ذكره في آخر الحديث مما يدل على قلة من ينسب للأمانة، فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين‏.‏ فالذين أشار إليهم بقوله ما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذي ينتظره فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر كذا في الفتح ‏(‏فيظل أثرها‏)‏ بفتحات بتشديد لام أي فيصير وأصل ظل ما عمل بالنهار ثم أطلق على كل وقت، وهي هنا على بابها لأنه ذكر الحالة التي تكون بعد النوم، وهي غالباً تقع عند الصبح‏.‏

والمعنى أن الأمانة تذهب حتى لا يبقى منها إلا الأثر الموصوف في الحديث ‏(‏مثل الوكت‏)‏ وفي رواية البخاري مثل أثر الوكت وهي بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثناة فوقية الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه يقال وكت البسر إذ بدت فيه نقطة الإرطاب ‏(‏ثم ينام نومة‏)‏ أي أخرى ‏(‏فتقبض الأمانة‏)‏ أي ما بقي منها من قلبه ‏(‏فيظل أثرها مثل أثر المجل‏)‏ بفتح الميم وسكون الجيم وقد تفتح بعدها لام‏.‏ هو أثر العمل في الكف قال في الفائق‏:‏ الفرق بين الوكت والمجل أن الوكت النقطة في الشيء من غير لونه والمجل غلظ الجلد من العمل لا غير ‏(‏كجمر‏)‏ بالجيم المفتوحة والميم الساكنة أي تأثير كتأثير جمر وقيل أبدل من مثل أثر المجل أي يكون أثرها في القلب كأثر جمر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو يعني أثر المجل كجمر ‏(‏دحرجته‏)‏ أي قلبته ودورته ‏(‏على رجلك فنفطت‏)‏ بكسر الفاء بعد النون المفتوحة قال في القاموس نفطت كفرحت نفطاً ونفطاً ونفيطاً قرحت عملاً أو مجلث ‏(‏فتراه منتبراً‏)‏ بنون ثم مثناة مفتوحة ثم موحدة مكسورة أي منتفخاً وتذكير الضمير على إرادة الموضع المدحرج عليه الجمر قيل المعنى‏:‏ يخيل إليك أن الرجل ذو أمانة وهو في ذلك بمثابة نفطة تراها منتفطة مرتفعة كبيرة لا طائل تحتها ‏(‏وليس فيه شيء‏)‏ أي صالح بل ماء فاسد‏.‏ وفي شرح مسلم‏:‏ قال صاحب التحرير‏:‏ معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئاً فشيئاً، فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالموكت، وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبة زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه، بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى النفط انتهى‏.‏ ‏(‏قال فيصبح الناس‏)‏ أي يدخلون في الصباح ‏(‏يتبايعون‏)‏ أي السلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم من الاَخر ‏(‏لا يكاد أحد يؤدي الأمانة‏)‏ لأن من كان موصوفاً بالأمانة سلبها حتى صار خائناً ‏(‏وحتى يقال للرجل‏)‏ أي من أرباب الدنيا، ممن له عقل في تحصيل المال والجاه وطبع في الشعر والنثر، وفصاحة وبلاغة وصباحة وقوة بدنية وشجاعة وشوكة ‏(‏ما أجلده‏)‏ بالجيم ‏(‏وأظرفه‏)‏ بالظاء المعجمة ‏(‏وأعقله‏)‏ بالعين المهملة والقاف، تعجباً من كماله واستغراباً من مقاله واستبعاداً من جماله‏.‏

وحاصله أنهم يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة ويتعجبون منه، ولا يمدحون أحداً بكثرة العلم النافع والعمل الصالح ‏(‏وما في قلبه‏)‏ حال من الرجل أي والحال أنه ليس في قلبه ‏(‏مثقال حبة‏)‏ أي مقدار شيء قليل ‏(‏من خردل‏)‏ من بيانية لحبة أي هي خردل ‏(‏من إيمان‏)‏ أي كائناً منه قال الطيبي‏.‏ لعله إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله إن الأمانة نزلت بالإيمان لقوله آخر‏:‏ وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فهلا حملوها على حقيقتها لقوله‏:‏ ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيكون وضع الإيمان آخراً موضعها تفخيماً لشأنها، وحثاً على أدائها‏.‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا دين لمن لا أمانة له‏"‏ قال القاري‏:‏ إنما حملهم عليه ما ذكر آخراً وما صدر أولاً من قوله‏:‏ نزلت في جذر قلوب الرجال‏.‏ فإن نزول الأمانة بمعنى الإيمان هو المناسب لأصل قلوب المؤمنين ثم يعلمون إيقانه وإيقانهم بتتبع الكتاب والسنة‏.‏ وأما الأمانة فهي جزئية من كلية ما يتعلق بالإيمان والقرآن انتهى‏.‏

‏(‏قال‏)‏ أي حذيفة رضي الله عنه ‏(‏ولقد أتى علي‏)‏ بتشديد الياء ‏(‏زمان‏)‏ كنت أعلم فيه أن الأمانة موجودة في الناس ‏(‏وما أبالي أيكم بايعت فيه‏)‏ أي بعت أو اشتريت غير مبال بحاله ‏(‏لئن‏)‏ بفتح اللام وكسر الهمزة ‏(‏ليردنه علي‏)‏ بتشديد التحتية ‏(‏دينه‏)‏ بالرفع على الفاعيلة أي فلا يخونني بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة فأنا واثق بأمانته ‏(‏ليردنه على ساعيه‏)‏ أي الذي أقيم عليه فهو يقوم بولايته ويستخرج منه حقي، وقال في المجمع أي رئيسهم الذي يصدرون عن رأيه وقيل أي الوالي الذي عليه أي ينصفني مثله وكل من ولي أمر قوم فهو ساع عليهم، يعني أن المسلمين كانوا مهتمين بالإسلام فيحفظون بالصدق والأمانة، والملوك ذوو عدل، فما كنت أبالي من أعامل إن كان مسلماً رده إلى الخروج عن الحق عمله بمقتضى الإسلام، وإن كان غير مسلم أنصفني منه عامله على الصدقة انتهى ‏(‏فأما اليوم‏)‏ فقد ذهبت الأمانة وظهرت الخيانة فلست أثق بأحد في بيع ولا شراء‏.‏ ‏(‏فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً‏)‏ أي أفراداً من الناس قلائل ممن أثق بهم فكان يثق بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كل عمل قل أو جل إلا المسلم فكان واثقاً بإنصافه وتخليصه حقه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه فإنه صار لا يبايع إلا أفراداً من الناس يثق بهم‏.‏ وفيه أشارة إلى أن حال الأمانة أخذ في النقص من ذلك الزمان‏.‏ وكانت وفاة حذيفة أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل، فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير‏.‏ وقال ابن العربي‏:‏ قال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين، فأشار إلى ذلك بالمبايعة وكنى عن الإيمان بالأمانة وعما يخالف أحكامه بالخيانة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1453- باب ما جاء لَتَرْكَبُنّ سنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم

2208- حَدّثنا سَعِيدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ المخزُومِيّ، حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهريّ عن سِنَانِ بنِ أبي سِنَانٍ عن أبي وَاقِدٍ الّليْثِيّ‏:‏ ‏"‏أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرّ بَشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَها ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فقالوا‏:‏ يا رسولَ الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ سُبْحَانَ الله، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنّ سُنّةّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وأبو وَاقِدٍ الليْثيّ اسمُه الحارثُ بنُ عَوْفٍ‏.‏

وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ وأبي هُرَيْرَةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سنان بن أبي سنان‏)‏ الديلي المدني ثقة من الثالثة ‏(‏عن أبي واقد الليثي‏)‏ صحابي قيل اسمه الحارث بن مالك وقيل ابن عوف وقيل عوف بن الحارث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لما خرج‏)‏ أي عن مكة كما في رواية لأحمد ‏(‏إلى حنين‏)‏ كزبير موضع بين الطائف ومكة ‏(‏يقال لها ذات أنواط‏)‏ قال الجزري في النهاية‏:‏ هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم أي يعلقونه بها ويعكفون حولها فسألوه أن يجعل لهم مثلها فنهاهم عن ذلك وأنواط جمع نوط وهو مصدر سمي به المنوط انتهى‏.‏ ‏(‏سبحان الله‏)‏ تنزيهاً وتعجباً ‏(‏هذا‏)‏ أي هذا القول منكم ‏(‏كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة‏)‏ لكن لا يخفى ما بينهما من التفاوت المستفاد من التشبيه حيث يكون المشبه به أقوى ‏(‏لتركبن‏)‏ بضم الموحدة والمعنى لتتبعن ‏(‏سنة من كان قبلكم‏)‏ وفي حديث أبي سعيد عند البخاري‏:‏ ‏"‏لتتبعن سنن من قبلكم شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم‏"‏ قلنا يا رسول الله اليهود والنصاري‏.‏ قال ‏"‏فمن‏"‏‏؟‏ ورواه الحاكم عن ابن عباس وفي آخره‏:‏ ‏"‏وحتى لو أن أحدكم جامع امرأته في الطريق لفعلتموه‏"‏ قال المناوي إسناده صحيح والسنة لغة الطريقة حسنة كانت أو سيئة، والمراد هنا طريقة أهل الهواء والبدع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم من تغيير دينهم وتحريف كتابهم كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وقال النووي‏:‏ المراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرحه أحمد في مسنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة‏)‏ أما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان وقد تقدم لفظه وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري عنه مرفوعاً‏:‏ لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع فقيل يا رسول الله كفارس والروم‏؟‏ قال‏:‏ ومن الناس إلا أولئك‏.‏

1454- باب ما جَاءَ في كَلامِ السّبَاع

جمع السبع وهو بضم الباء وفتحها وسكونها المفترس من الحيوان

2209- حَدّثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، حدثنا أَبِي عن الْقَاسِمِ بنِ الْفَضْلِ، حدثنا أبو نَضْرَةَ الْعَبْدِيّ عنِ أبي سعيدٍ الْخُدْرِيّ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُكَلّمَ السّبَاعُ الاْنْس، وَحَتّى يُكَلّمَ الرّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ وَتُخْبِرُهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ من بَعْدَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ القاسِمِ بنِ الفَضْلِ، والقاسمُ بنُ الفَضْلِ ثِقَةٌ مَأمُونٌ عِنْدَ أهلِ الحديثِ، وَثّقَهُ يَحْيَى بنُ سعيدٍ القطان وعبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى تكلم السباع‏)‏ أي سباع الوحش كالأسد أو سباع الطير كالبازي ولا منع من الجمع ‏(‏الأنس‏)‏ أي جنس الإنسان من المؤمن والكافر ‏(‏وحتى يكلم الرجل‏)‏ بالنصب على المفعولية ‏(‏عذبة سوطه‏)‏ بالرفع على الفاعلية، والعذبة بفتح العين المهملة والذال المعجمة أي طرفه على ما في القاموس وغيره، وقال في المجمع هو قد في طرف السوط ‏(‏وشراك نعله‏)‏ بكسر الشين المعجمة أحد سيور النعل تكون على وجهها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة‏)‏ لينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن صحيح‏)‏ في سنده سفيان بن وكيع وهو صدوق، إلا أنه ابتلى بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل فسقط حديثه، قاله الحافظ، وأخرجه الحاكم وصححه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والقاسم بن الفضل ثقة الخ‏)‏ قال في التقريب‏:‏ القاسم بن الفضل بن معدان الحداني بضم المهملة والتشديد أبو المغيرة البصري ثقة من السابعة رمي بالإرجاء‏.‏

1455- باب ما جاءَ في انْشِقَاقِ الْقَمَر

أي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المعجزة له

2210- حَدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ‏.‏ حدثنا أبو دَاوُدَ عن شُعْبَةَ عن الأعمَشِ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ‏:‏ ‏"‏انْفَلَقَ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اشْهَدُوا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ مسعودٍ وَأَنَسٍ وَجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏انفلق القمر‏)‏ أي انشق وفي حديث ابن مسعود عند البخاري في التفسير‏:‏ انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، وفي حديث أنس عند البخاري في باب انشقاق القمر أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما‏.‏ قال الحافظ قوله شقتين بكسر المعجمة أي نصفين‏.‏ وقوله حتى رأوا حراء أي جبل حراء بينهما، أي بين الفرقتين‏.‏ وجبل حراء على يسار السائر من مكة إلى منى‏.‏ وقال وجدت في بعض طرق حديث ابن عباس بيان صورة السؤال وهو وإن كان لم يدرك القصة لكن في بعض طرقه ما يشعر بأنه حمل الحديث عن ابن مسعود، فأخرج أبو نعيم في الدلائل من وجه ضعيف عن ابن عباس قال‏:‏ اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والنضر بن الحارث ونظراؤهم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين فسأل ربه فانشق ‏(‏اشهدوا‏)‏ أي على نبوتي أو معجزتي من الشهادة وقيل معناه احضروا وانظروا من الشهود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن مسعود وأنس وجبير بن مطعم‏)‏ أخرح الترمذي أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تفسير سورة القمر، قال الحافظ وقد ورد انشقاق القمر أيضاً من حديث علي وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم‏.‏ فأما أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد‏.‏ وأما أنس فكان أربع أو خمس بالمدينة، وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك، وممن صرح برؤيته ذلك ابن مسعود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

اعلم أن أحاديث الباب صحيحة صريحة في ثبوت معجزة انشقاق القمر‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا‏.‏ ويؤيد ذلك بالاَية الكريمة فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر‏.‏ وقد يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين، وأيضاً فإن زمن الانشقاق لم يطل ولم تتوفر الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه ومع ذلك فقد بعث أهل مكة إلى آفاق مكة يسألون عن ذلك، فجاءت السفار وأخبروا بأنهم عاينوا ذلك، وذلك لأن المسافرين في الليل غالباً يكونون سائرين في ضوء القمر، ولا يخفى عليهم ذلك‏.‏ وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن‏:‏ أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه، لأن القمر مخلوق لله بفعل فيه ما يشاء، كما يكوره يوم البعث ويفنيه‏.‏ وأما قول بعضهم‏:‏ لو وقع لجاء متواتراً واشترك أهل الأرض في معرفته، ولما اختص بها أهل مكة، فجوابه‏:‏ أن ذلك وقع ليلاً وأكثر الناس نيام، والأبواب مغلقة، وقل من يراصد السماء إلا النادر، وقد يقع بالمشاهدة في العادة أن ينكسف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل ولا يشاهدها إلا الاَحاد‏.‏ فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا فلم يتأهب غيرهم لها، ويحتمل أن يكون القمر ليلتئذ، كان في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الاَفاق دون بعض، كما يظهر الكسوف لقوم دون قوم‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجاً من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع‏.‏ فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة فلذلك صار البرهان به أظهر‏.‏ وقد أنكر ذلك بعضهم، فقال‏:‏ لو وقع ذلك لم يجز أن يخفى أمره على عوام الناس لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء والدواعي متوفرة على رؤية كل غريب، ونقل ما لم يعهد فلو كان لذلك أصل لخلد في كتب أهل التسيير والتنجيم إذ لا يجوز إطباقهم على تركه، وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره‏.‏

والجواب عن ذلك أن هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها لأنه شيء طلبه خاص من الناس فوقع ليلاً لأن القمر لا سلطان له بالنهار ومن شأن الليل أن يكون أكثر الناس فيه نياماً ومستكنين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان يحتمل أنه كان في ذلك الوقت مشغولاً بما يلهيه من سمر وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراصد مركز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه‏.‏ ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر‏.‏ وقال الحافظ ذهب بعض أهل العلم من القدماء أن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏انشق القمر‏}‏ أي سينشق كما قال تعالى ‏{‏أتى أمر الله‏}‏ أي سيأتي‏.‏ والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك، فنزل منزلة الواقع، والذي ذهب إليه الجمهور أصح كما جزم به ابن مسعود وحذيفة وغيرهما ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك ‏{‏وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر‏}‏ فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله‏:‏ ‏(‏وانشق القمر‏)‏ وقوع انشقاقه لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة وإذا تبين أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا تبين وقوع الانشقاق وأنه المراد بالاَية التي زعموا إنها سحر انتهى‏.‏ وقال الرازي في تفسيره الكبير بعد ما أثبت هذه المعجزة ما لفظه‏:‏ وأما المؤرخون تركوه لأن التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم وهو لما وقع الأمر قالوا بأنه مثل خسوف القمر‏.‏ وظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم‏.‏ والقرآن أدل دليل وأقوى مثبت له وإمكانه لا يشك فيه وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه‏.‏ وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللئام‏.‏ وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات وذكرناه مراراً فلا نعيده انتهى‏.‏

1456- باب ما جاءَ في الْخَسْف

2211- حَدّثنا بُنْدَارٌ، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِيّ، حدثنا سُفْيَانُ، عن فُرَاتٍ القَزّازِ، عن أبي الطّفَيْلِ، عن حُذَيْفَةَ بنِ أُسَيْدٍ قال‏:‏ ‏"‏أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السّاعَةَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ‏:‏ طُلُوعُ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَالدّابّةُ وَثَلاَثَةُ خُسُوفٍ‏:‏ خَسْفٍ بالمَشْرِقِ وَخَسْفٍ بالمَغْرِبِ وَخَسْفٍ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ تَسُوقُ النّاسَ أَوْ تَحْشُرُ النّاسَ فَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا‏"‏‏.‏

- 2212- حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن فُرَاتٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ‏:‏ والدّخَانُ‏.‏

- حدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن فُرَاتٍ القَزّازِ نَحْوَ حديثِ وَكِيعٍ عن سُفْيَانَ‏.‏

‏.‏‏.‏‏.‏- حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ، عن شُعْبَةَ وَالمَسْعُودِيّ، سَمِعَا من فرات القَزّازَ نَحْوَ حديثِ عبدِ الرحمَنِ عن سُفْيانَ عن فُرَاتٍ وزادَ فِيهِ‏:‏ الدّجّالَ أَوْ الدّخَانَ‏.‏

2213- حدّثنا أبو مُوسَى محّمدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا أبو النّعْمَانِ الْحَكَمُ بنُ عبدِ الله الْعِجْلِيّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ فُرَاتٍ نَحْوَ حَدِيثِ أبي داود عَنْ شُعْبَةَ وَزَادَ فِيهِ‏:‏ قال والعَاشِرَةُ إِمّا رِيحٌ تَطْرَحُهُمْ فِي البَحْرِ وإِمّا نُزُولُ عيسَى بنِ مَرْيم‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عنْ عَلِيّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمّ سَلَمَةَ وَصَفِيّةَ بنت حيي‏.‏ وهذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

2214- حدّثنا مَحْمودُ بنُ غَيْلاَنَ‏.‏ حدثنا أَبُو نُعْيمٍ، حدثنا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهيْلٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ المُرْهِبِيّ عنْ مُسْلِمِ بنِ صَفْوَانَ عَنْ صَفِيّةَ قَالَتْ‏:‏ ‏"‏قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا يَنْتَهِي النّاسُ عَنْ غَزْوِ هَذَا البَيْتِ حَتّى يَغزُوَ جَيْشٌ حَتّى إِذَا كَانُوا بِالبَيْدَاءِ أَوْ بَبْيداءَ مِنَ الأَرْضِ خُسِفَ بِأَوّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ‏.‏ قُلْتُ ياَ رَسُولَ الله فَمَنْ كَرِهَ مِنْهُمْ‏؟‏ قَالَ‏:‏ يَبْعَثُهُمُ الله عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

2215- حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا صَيْفي بنُ رِبْعِيٍ عن عبد الله بنِ عُمْرَ، عَنْ عُبَيدِ الله بن عمر، عنِ القَاسِمِ بنِ محمدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ‏:‏ ‏"‏قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يَكُونُ في آخِرِ هَذِهِ الأُمّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، قالَتْ‏:‏ قُلْتُ يَا رَسُولُ الله أنُهْلَكُ وَفِينَا الصّالِحُونَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نعم إِذَا ظَهَرَ الْخُبْثُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غَرِيبٌ من حديثِ عَائِشَةَ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَعَبْدُ الله بنُ عُمرَ تَكَلّمَ فِيهِ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن فرات القزاز‏)‏ هو فرات بن أبي عبد الرحمن القزاز الكوفي ثقة من الخامسة ‏(‏عن حذيفة بن أسيد‏)‏ بفتح الهمزة وكسر السين الغفاري صحابي من أصحاب الشجرة، وكنيته أبو سريحة بفتح السين المهملة وكسر الراء وبالحاء المهملة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أشرف علينا‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ اطلع علينا قال في القاموس أشرف عليه اطلع من فوق ‏(‏من غرفة‏)‏ بالضم العلية وهي بالفارسية بالاخانة وحجره بالاى حجره‏.‏‏.‏‏.‏ ‏(‏ونحن نتذاكر‏)‏ أي فيما بيننا ‏(‏الساعة‏)‏ أي أمر القيامة واحتمال قيامها في كل ساعة ‏(‏عشر آيات‏)‏ أي علامات ‏(‏ويأجوج ومأجوج‏)‏ بألف فيهما ويهمز أي خروجهما، ويأتي الكلام عليهما في باب خروج يأجوج ومأجوج ‏(‏والدابة‏)‏ وهي المذكورة في قوله تعالى ‏{‏وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم‏}‏ الاَية‏.‏ قال المفسرون هي دابة عظيمة تخرج من صدع في الصفا، وعن ابن عمرو بن العاص إنها الجساسة المذكورة في حديث الدجال، قاله النووي‏.‏ وقال الجزري في النهاية‏:‏ دابة الأرض قيل طولها ستون ذراعاً ذات قوائم ووبر‏.‏ وقيل هي مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات ينصدع جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع، والناس سائرون إلى منى‏.‏ وقيل من أرض الطائف ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، تضرب المؤمن بالعصا وتكتب في وجهه مؤمن، وتطبع الكافر بالخاتم وتكتب في وجهه كافر انتهى‏.‏

اعلم أن المفسرين قد ذكروا لدابة الأرض أوصافاً كثيرة من غير ذكر ما يدل على ثبوتها، فكل ما ثبت بالكتاب أو السنة الصحيحة فهو المعتمد، ومالا فلا اعتماد عليه ‏(‏وثلاث خسوف‏)‏ قال ابن الملك‏:‏ قد وجد الخسف في مواضع لكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدراً زائداً على ما وجد كأن يكون أعظم مكاناً وقدراً ‏(‏خسف‏)‏ بالجر على أنه يدل مما قبله وبالرفع على تقدير أحدها أو منها ‏(‏من قعر عدن‏)‏ أي أقصى أرضها وهو غير منصرف وقيل منصرف باعتبار البقعة والموضع ففي المشارق عدن مدينة مشهورة باليمن‏.‏ وفي القاموس عدن محركة جزيرة باليمن، وفي رواية‏:‏ تخرج من أرض الحجاز‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ لعلها ناران تجتمعان تحشران الناس أو يكون ابتداء خروجهما من اليمن وظهورها من الحجاز‏.‏ ذكره القرطبي رحمه الله تعالى ‏(‏تسوق‏)‏ أي تطرد النار ‏(‏أو تحشر‏)‏ أو للشك من الراوي في رواية مسلم‏:‏ تسوق الناس إلى المحشر أي إلى المجمع والموقف، قيل المراد من المحشر أرض الشام إذ صح في الخبر أن الحشر يكون في أرض الشام، ولكن الظاهر أن المراد أن يكون مبتدؤه منها أو تجعل واسعة تسع خلق العالم فيها قاله القاري‏.‏ ‏(‏وتقيل‏)‏ قال في القاموس‏:‏ قال قيلا وقائلة وقيلولة ومقالا ومقيلا وتقيل نام في نصف النهار انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وزاد فيه والدخان‏)‏ قال الطيبي هو الذي ذكر في قوله تعالى ‏{‏يوم تاتي السماء بدخان مبين‏}‏ وذلك كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏ وقال النووي في شرح هذا الحديث‏:‏ إنه يؤيد قول من قال، إن الدخان دخان يأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، وإنه لم يأت بعد، وإنما يكون قريباً من قيام الساعة‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ إنما هو عبارة عما نال قريشاً من القحط حتى كانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان‏.‏ وقد وافق ابن مسعود جماعة، وقال بالقول الاَخر حذيفة وابن عمر والحسن ورواه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً‏.‏ ويحتمل أنها دخانان للجمع بين هذه الآثار انتهى‏.‏ وقال القرطبي في التذكرة قال ابن دحية‏:‏ والذي يقتضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين، إحداهما وقعت وكانت الأخرى ستقع وتكون‏.‏ فأما التي كانت فهي التي كانوا يرون فيها كهيئة الدخان، غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الاَيات، التي هي من الأشراط والعلامات، ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا ‏{‏ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون‏}‏ فيكشف عنهم ثم يعودون لقرب الساعة‏.‏ وقول ابن مسعود لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو من تفسيره، وقد جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه‏.‏ قال القرطبي وقد روى عن ابن مسعود إنهما دخانان‏.‏ قال مجاهد كان ابن مسعود يقول هما دخانان، قد مضى أحدهما والذي بقي يملأ بين السماء والأرض انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي‏)‏ قال في التقريب‏:‏ الحكم بن عبد الله أبو النعمان البصري قيل إنه قيسي أو أنصاري أو عجلي ثقة، له أوهام من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إما ريح تطرحهم في البحر‏)‏ أي تلقيهم فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وأبي هريرة وأم سلمة وصفية‏)‏ أما حديث علي وحديث أبي هريرة فأخرجهما الترمذي في الباب الذي بعد باب أشراط الساعة‏.‏ وأما حديث أم سلمة فأخرجه مسلم في كتاب الفتن‏.‏ وأما حديث صفية فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏

اعلم أن الروايات قد اختلفت في ترتيب الاَيات العشر ولذ اختلف أهل العلم في ترتيبها، فقد قيل إن أول الاَيات الدخان، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى عليه السلام، ثم خروج ياجوج وماجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، فإن الكفار يسلمون في زمن عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوة واحدة‏.‏ ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزوله لم يكن الإيمان مقبولاً من الكفار، فالواو لمطلق الجمع فلا يرد أن نزوله قبل طلوعها ولا ما ورد أن طلوع الشمس أول الاَيات‏.‏ وقال في فتح الودود قيل‏:‏ أول الاَيات الخسوفات، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى عليه السلام، ثم خروج ياجوج وماجوج، ثم الريح التي تقبض عندها أرواح أهل الإيمان، فعند ذلك تخرج الشمس من مغربها، ثم تخرج دابة الأرض، ثم يأتي الدخان‏.‏ قال صاحب فتح الودود والأقرب في مثله التوقف والتفويض إلى عالمه انتهى‏.‏

قلت‏:‏ ذكر القرطبي في تذكرته مثل هذا الترتيب إلا أنه جعل الدجال مكان الدخان‏.‏ وذكر البيهقي عن الحاكم مثل ترتيب القرطبي وجعل خروج الدابةُ قبل طلوع الشمس من مغربها، فالظاهر بل المتعين هو ما قال صاحب فتح الودود من أن الأقرب في مثله هو التوقف والتفويض إلى عالمه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سلمة بن كهيل‏)‏ الحضرمي أبي يحيى الكوفي ثقة من الرابعة ‏(‏عن أبي إدريس المرهبي‏)‏ بضم أوله وكسر الهاء بعدها موحدة الكوفي، اسمه سوار أو مساور صدوق يتشيع من الرابعة ‏(‏عن مسلم بن صفوان‏)‏ مجهول من الثالثة كذا في التقريب‏.‏ وقال في هامش الخلاصة نقلاً عن التهذيب‏:‏ وثقه ابن حبان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى إذا كانوا بالبيداء‏)‏ بفتح الموحدة وسكون التحتية ‏(‏أو ببيداء من الأرض‏)‏ شك من الراوي وفي حديث حفصة عند مسلم‏:‏ حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض من غير شك‏.‏ قال النووي قال العلماء‏:‏ البيداء كل أرض ملساء لا شيء بها ‏(‏خسف بأولهم وآخرهم ولم ينج أوسطهم‏)‏ أي يقع الهلاك في الدنيا على جميعهم ‏(‏فمن كره منهم قال يبعثهم الله على ما في أنفسهم‏)‏ وفي حديث أم سلمة عند مسلم‏:‏ فكيف بمن كان كارهاً‏؟‏ قال يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته، قال النووي أي يبعثون مختلفين على قدر نياتهم فيجازون بحسبها‏.‏ وفي هذا الحديث من الفقه التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين، لئلا يناله ما يعاقبون به وفيه‏:‏ إن من كثر سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجة‏.‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة مسلم بن صفوان‏:‏ روى عن صفية بنت حيي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت‏.‏ وروى عنه أبو إدريس المرهبي، صحح الترمذي حديثه‏.‏ قال الحافظ وهو معلول انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لم يذكر وجه كونه معلولاً، فإن كان وجهه جهالة مسلم بن صفوان، فقد عرفت أن ابن حبان وثقه والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا صيفي بن ربعي‏)‏ بكسر الراء الأنصاري أبو هشام الكوفي صدوق يهم من التاسعة ‏(‏عن عبد الله بن عمر‏)‏ هو عبد الله بن عمر بن حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان، ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع‏.‏ وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري عن عروة عنها، من الخامسة قاله الحافظ في التقريب‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته‏:‏ روى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر وغيره وعنه أخوه عبد الله وغيره ‏(‏عن القاسم بن محمد‏)‏ بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب‏:‏ ما رأيت أفضل منه، من كبار الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خسف ومسخ وقذف‏)‏ قال في القاموس‏:‏ خسف المكان يخسف خسوفاً ذهب في الأرض، وقال مسخه كمنعه حول صورته إلى أخرى أقبح‏.‏ وقال قذف بالحجارة يقذف رمى بها ‏(‏أنهلك‏)‏ بفتح اللام من الإهلاك أو بكسر اللام من الهلاك ‏(‏وفينا الصالحون‏)‏ جملة حالية ‏(‏إذا ظهر الخبث‏)‏ هو بفتح الخاء والباء وفسره الجمهور بالفسوق والفجور، وقيل المراد الزنا خاصة، وقيل اولاد الزنا‏.‏ والظاهر أنه المعاصي مطلقاً، ومعنى الحديث أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام، وإن كان هناك صالحون‏.‏ قاله النووي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعبد الله بن عمر تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه‏)‏ اعلم أن عبد الله بن عمر العمري مكبراً وعبيد الله بن عمر العمري مصغراً أخوان، فالمكبر ضعيف والمصغر ثقة‏.‏

1457- باب ما جاءَ في طُلُوعِ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا

2216- حَدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التّيمِيّ عن أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ‏:‏ ‏"‏دَخَلْتُ المَسْجِدَ حِينَ غَابَتِ الشّمْسُ وَالنّبِيّ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فَقَالَ‏:‏ يَا أَبَا ذَرٍ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ قُلْتُ الله ورَسُولُهُ أَعْلَمُ‏.‏ قَالَ‏:‏ فإِنّهَا تَذْهَبُ لِتَسْتَأَذِنَ فِي السّجُودِ فَيُؤْذَنَ لَهَا وَكأنها قَدْ قِيلَ لَهَا اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا‏"‏، قَالَ ثُمّ قَرَأَ‏:‏ ‏{‏وَذَلِكَ مُسْتَقَرّ لَهَا‏}‏‏"‏ وَقَالَ‏:‏ ذَلِكَ قِرَاءةُ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عَنْ صَفْوَانَ بنِ عَسّالٍ وَحُذَيفَةَ بنِ أَسِيدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي مُوسَى‏.‏

وهذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن إبراهيم التيمي‏)‏ هو بن يزيد بن شريك، يكنى أبا أسماء الكوفي العابد ثقة، إلا أنه يرسل ويدلس من الخامسة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي ثقة، يقال إنه أدرك الجاهلية من الثانية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أين تذهب هذه‏)‏ أي الشمس، والإشارة للتعظيم ‏(‏فإنها تذهب لتستأذن في السجود فيؤذن لها‏)‏ أي في السجود‏.‏ قال ابن بطال‏:‏ استئذان الشمس معناه أن الله يخلق فيها حياة، يوجد القول عندها، لأن الله قادر على إحياء الجماد والموات‏.‏ وقال غيره‏:‏ يحتمل أن يكون الاستئذان أسند إليها مجازاً، والمراد من هو موكل بها من الملائكة‏.‏

قلت‏:‏ الظاهر هو الأول والله تعالى أعلم وفي رواية البخاري في بدء الخلق‏:‏ فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها‏.‏ قال القسطلاني‏:‏ أي في الطلوع من المشرق على عاداتها فيؤذن لها فتبدو من جهة المشرق‏.‏ قال الحافظ أما قوله‏:‏ تحت العرش فقيل هو حين محاذاتها ولا يخالف هذا قوله‏:‏ وجدها تغرب في عين حمئة‏.‏ فإن المراد بها نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب ‏(‏وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها‏)‏ وفي رواية البخاري المذكورة‏:‏ ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها ‏(‏قال ثم قرأ‏)‏ عليه الصلاة والسلام ‏(‏وذلك مستقر لها وقال‏)‏ أي أبو ذر كما هو الظاهر ‏(‏ذلك قراءة عبد الله بن مسعود‏)‏‏.‏ وفي رواية البخاري في بدء الخلق والتفسير فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم‏}‏ وهذه القراءة هي المتواترة‏.‏ وفي رواية البخاري في التفسير قال‏:‏ مستقرها تحت العرش‏.‏ قال الحافظ في الحديث رد على من زعم أن المراد بمستقرها غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة‏.‏ وقيل إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري انتهى‏.‏ وقال الطيبي بعد ذكر التأويلين المذكورين في كلام الحافظ ما لفظه‏:‏ وأما قوله مستقرها تحت العرش فلا ينكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه‏.‏ لأن علمنا لا يحيط به انتهى كلام الطيبي‏.‏ وقال الشيخ في اللمعات قوله‏:‏ ‏(‏والشمس تجري لمستقر لها‏)‏ قد ذكر في التفاسير وجوه غير ما في هذا الحديث، ولا شك أن ما وقع في الحديث المتفق عليه هو المعتبر والمعتمد، والعجب من البيضاوي أنه ذكر وجوهاً في تفسيره ولم يذكر هذا الوجه، ولعله أوقعه في ذلك تفلسفه نعوذ بالله من ذلك‏.‏ وفي كلام الطيبي أيضاً ما يشعر بضيق الصدر نسأل الله العافية انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن صفوان بن عسال وحذيفة بن أسيد وأنس بن أبي موسى‏)‏ أما حديث صفوان بن عسال فأخرجه بن ماجة عنه مرفوعاً‏:‏ إن من قبل مغرب الشمس باباً مفتوحاً عرضه سبعون سنة، فلا يزال ذلك الباب مفتوحاً للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه‏.‏ فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً‏.‏ وأما حديث حذيفة بن أسيد فأخرجه الترمذي في الباب المتقدم‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه ابن ماجة في باب الاَيات، وأما حديث أبي موسى فأخرجه أحمد ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والبخاري في بدء الخلق والتفسير والتوحيد، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الحروف، والنسائي في التفسير‏.‏ وأخرجه الترمذي أيضاً في تفسير سورة يس‏.‏

1458- باب ما جَاءَ في خُرُوجِ يَأجُوجِ ومأجُوج

بغير همز لأكثر القراء، وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة فيهما وفي لغة بني أسد وهما اسمان أعجميان عند الأكثر منعاً من الصرف للعلمية والعجمة وقيل بل عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها، وقيل من الأجة بالتشديد وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل غير ذلك وجاء في صفتهم ما أخرجه ابن عدي وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه من حديث حذيفة رفعه قال‏:‏ يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربع مائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار عن محمد بن إسحاق عن الأعمش، والعطار ضعيف جداً ومحمد بن إسحاق قال‏:‏ ابن عدي ليس هو صاحب المغازي بل هو العكاشي‏.‏ قال والحديث موضوع‏.‏ وقال ابن أبي حاتم منكر‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ لكن لبعضه شاهد صحيح أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود رفعه‏:‏ أن ياجوج وماجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفاً من الذرية‏.‏ وللنسائي من رواية عمرو بن أوس عن أبيه رفعه‏:‏ أن ياجوج وماجوج يجامعون ما شاءوا ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً‏.‏ وأخرج الحاكم وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمرو أن ياجوج وماجوج من ذرية آدم ووراءهم ثلاث أمم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مثله، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو قال‏:‏ الجن والإنس عشرة أجزاء فتسعة أجزاء ياجوج وماجوج وجزء سائر الناس‏.‏ ومن طريق شريح بن عبيد عن كعب قال‏:‏ هم ثلاثة أصناف، صنف أجسادهم كالأرز يفتح الهمزة وسكون الراء ثم زاي هو شجر كبار جداً، وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى‏.‏ ووقع نحو هذا في حديث حذيفة، وأخرج أيضاً هو والحاكم من طريق أبي الجوراء عن ابن عباس‏:‏ ياجوج وماجوج شبراً شبراً وشبرين شبرين وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم‏.‏ ومن طريق أبي هريرة رفعه ولد لنوح‏:‏ سام وحام ويافث لسام العرب وفارس والروم، وولد لحام‏:‏ القبط والبربر والسودان، وولد ليافث‏:‏ ياجوج وماجوج والترك والصقالبة وفي سنده ضعف‏.‏ ومن رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال‏:‏ ياجوج وماجوج ثنتان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك فبقوا دون السد‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق السدي قال‏:‏ الترك سرية من سرايا ياجوج وماجوج، خرجت تغير فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجاً‏.‏ ووقع في فتاوي الشيخ محي الدين‏:‏ ياجوج وماجوج من أولاد آدم لا من حواء عند جماهير العلماء، فيكونون إخواننا لأب كذا قال ولم نر هذا عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار ويرده الحديث المرفوع إنهم من ذرية نوح ونوح من ذرية حواء قطعاً انتهى ما في الفتح‏.‏

2217- حَدّثنا سَعِيدُ بنُ عَبدِ الرّحمنِ المَخْزُومِيّ و أبو بكر بن نافع وَغيرُ وَاحِدٍ، قَالُوا حدثنا سُفْيَانُ، عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ بن الزبير، عن زَينبَ بِنْتِ أَبي سَلَمَةَ، عن حَبِيبَةَ عن أَمّ حَبِيبَةَ عن زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ‏:‏ ‏"‏اسْتَيقَظَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ نَومٍ مُحْمَرّا وَجْهُهُ وَهْوَ يَقُولُ‏:‏ لا إِلهَ إِلاّ الله، يُرَدّدُهَا ثَلاَثَ مَرّاتٍ، وَيْلٌ للعَرَبِ، مِنْ شَرَ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثلُ هَذِهِ وَعَقَدَ عَشْراً، قَالَتْ زَينَبُ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَفَنَهْلَكُ وَفِينَا الصّالِحُونَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏ وقد جَوّدَ سُفْيَانُ هَذَا الْحَدِيث‏.‏ هكذا روى الْحُميْدِيّ وعلي بن المديني وغير واحد من الحفاظ عن سفيان بن عيينة نحو هذا وقال الحميدي قال‏:‏ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ حَفِظْتُ منَ الزّهْرِيّ فِي هَذَا الإِسْنَادِ أَرْبَعَ نِسْوَة‏:‏ زَيْنَبَ بنت أَبِي سَلَمَةَ، عنْ حَبِيبَةَ وَهُمَا رَبِيْبَتَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن أُمّ حَبيبة، عن زَيْنَب بِنْتِ جَحْشٍ زَوجَي النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وهكذا رَوَى مَعْمرٌ وغيره هَذَا الحَدِيثَ عَنْ الزّهْرِيّ وَلمْ يَذْكُروا فِيهِ عَن حَبِيبَةَ وقد روى بعض أصحاب ابن عيينة هذا الحديث عن ابن عيينة ولم يذكروا فيه عن أُمّ حبيبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن حبيبة‏)‏ بنت عبيد الله بن جحش الأسدية، أمها أم حبيبة بنت أبي سفيان، لها صحبة، وهاجرت مع أبويها إلى الحبشة، ويقال إنها ولدت بأرض الحبشة ‏(‏عن زينب بنت جحش‏)‏ بن رباب يعمر الأسدية أم المؤمنين، أمها أميمة بنت عبد المطلب، يقال ماتت سنة عشرون في خلافة عمر‏؟‏

قوله‏:‏ ‏(‏استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوم محمراً وجهه‏)‏ وفي رواية البخاري دخل عليها يوماً فزعاً، فيجمع على أنه دخل عليها بعد أن استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً، وكانت حمرة وجهه من ذلك الفزع، وجمع بينهما في رواية سليمان بن كثير عن الزهري عند أبي عوانة، فقال‏:‏ فزعاً محمراً وجهه ‏(‏وبل للعرب من شر‏)‏ في القاموس‏:‏ الويل حلول الشر وهو تفجيع انتهى‏.‏ وخص بذلك العرب لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم والمراد بالشر ما وقع بعده من قتل عثمان، ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة، كما وقع في الحديث الاَخر‏:‏ يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعي الأكلة على قصعتها‏.‏ وإن المخاطب بذلك العرب‏.‏ قال القرطبي‏:‏ ويحتمل أن يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة‏:‏ ماذا أنزل الليلة من الفتن‏؟‏ وماذا أنزل من الخزائن‏؟‏ فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده فكثرت الأموال في أيديهم فوقع التنافس الذي جر الفتن، وكذلك التنافس على الإمرة فإن معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم حتى أفضى ذلك إلى قتله، وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر ‏(‏قد اقترب‏)‏ أي قرب ذلك الشر في غاية القرب بيانه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج‏)‏ المراد بالردم السد الذي بناه ذو القرنين بزبر الحديد وهي القطعة منه ‏(‏مثل هذه‏)‏ بالرفع على أنه نائب الفاعل لقوله فتح والإشارة إلى الحلقة المبينة بقوله‏:‏ ‏(‏وعقد عشراً‏)‏ وعقد العشرة أن يجعل طرف السبابة اليمنى في باطن طي عقدة الإبهام العليا، والمراد أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبة إلى اليوم، وقد انفتحت فيه، إذ انفتاحها من علامات قرب الساعة، فإذا اتسعت خرجوا، وذلك بعد خروج الدجال كما تقدم ‏(‏أفنهلك‏)‏ بضم النون وفتح اللام من الإهلاك أو بفتح النون وكسر اللام من الهلاك ‏(‏وفينا الصالحون‏)‏ قال القاري‏:‏ أي أنعذب فنهلك نحن معشر الأمة والحال أن بعضنا مؤمنون وفينا الطيبون الطاهرون، ويمكن أن يكون هذا من باب الاكتفاء على تقدير الاستغناء أي وفينا الصالحون ومنا القاسطون انتهى‏.‏ ‏(‏قال نعم‏)‏ أي يهلك الطيب أيضاً ‏(‏إذا كثر الخبث‏)‏ بفتح المعجمة والموحدة ثم مثلثة، فسروه بالزنا وبأولاد الزنا وبالفسق والفجور وهو أولى لأنه قابله بالصلاح‏.‏ والمقصود أن النار إذا وقعت في موضع واشتدت أكلت الرطب واليابس، وغلبت على الطاهر والنجس، ولا تفرق بين المؤمن والمنافق والمخالف والموافق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جود سفيان هذا الحديث‏)‏ أي بذكر النسوة الأربع المذكورة في الإسناد‏.‏ وقد أطال الحافظ الكلام في هذا المقام في الفتح في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ويل للعرب من شر قد اقترب، من كتاب الفتن‏.‏ فعليك أن تراجعه‏.‏

1459- باب في صِفَةِ المَارِقَة

أي الخوارج

2218- حَدّثنا أَبُو كُرَيبٍ محمد بن العلاء، حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍ عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأحْلاَمِ يَقْرأُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَقُولُونَ مِنْ قَوْل خَيْرِ البَرِيّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الدّينِ كَمَا يَمْرُقُ السّهْمُ مِنَ الرّمِيّةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عَنْ عَلِيٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابِي ذَرٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ وَصْفُ هَؤُلاَءِ القَوْمِ الّذِينَ يَقْرَأُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدّينِ كَمَا يَمْرُقُ السهْمُ مِنَ الرّمِيّةِ، إِنّمَا هُمْ الْخَوَارِجُ الحَرُوْرِيّةُ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عاصم‏)‏ هو ابن بهدلة ‏(‏عن زر‏)‏ هو ابن حبيش ‏(‏عن عبد الله‏)‏ هو ابن مسعود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يخرج في آخر الزمان قوم‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد، يعني الذي رواه البخاري في باب‏:‏ من ترك قتال الخوارج للتألف وإلا ينفر الناس عنه، فإن مقتضاه أنهم خرجوا في خلافة عليّ، وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم‏.‏ وأجاب ابن التين بأن المراد زمان الصحابة وفيه نظر، لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة وقد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة، ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة، فإن في حديث سفينة المخرج في السنن وصحيح ابن حبان وغيره مرفوعاً الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً وكانت قصة الخوارج وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة علي سنة ثمان وعشرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدون الثلاثين بنحو سنتين انتهى‏.‏ ‏(‏أحداث الأسنان‏)‏ قال الحافظ‏:‏ أحداث بمهملة ثم مثلثة جمع حدث بفتحتين، والحدث هو الصغير السن، والأسنان جمع سن والمراد به العمر، والمراد أنهم شباب انتهى‏.‏ ‏(‏سفهاء الأحلام‏)‏ جمع حلم بكسر أوله والمراد به العقل‏.‏ والمعنى أن عقولهم رديئة‏.‏ قال النووي يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب وقوة العقل‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ولم يظهر لي وجه الأخذ منه فإن هذا معلوم بالعادة لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة ‏(‏لا يجاوز تراقيهم‏)‏ قال الجزري في النهاية‏:‏ التراقي جمع ترقوّة وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، وزنها فعلوة بالفتح‏.‏ والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، فكأنها لم تتجاوز حلوقهم، وقيل‏:‏ المعنى أنهم لا يعملون بالقرآن ولا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم غير القراءة انتهى ‏(‏يقولون من قول خير البرية‏)‏ قال الحافظ‏:‏ أي من القرآن وكانت أول كلمة خرجوا بها قولهم‏:‏ لا حكم إلا لله وانتزعوها من القرآن، وحملوها غير محملها ‏(‏يمرقون من الدين‏)‏ إن كان المراد به الإسلام فهو حجة لمن يكفر الخوارج، ويحتمل أن يكون المراد بالدين الطاعة فلا يكون فيه حجة، وإليه جنح الخطابي ‏(‏كما يمرق السهم من الرمية‏)‏ بوزن فعيلة بمعنى مفعولة، وهو الصيد المرمي، شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد شيء‏.‏ قال الجزري في النهاية، أي يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه، كما يخرق السهم الشيء المرمي به ويخرج منه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأبي ذر‏)‏ أما حديث علي فأخرجه البخاري في باب علامات النبوة وغيره ومسلم في الزكاة وأبو داود في السنة والنسائي في فضائل القرآن وابن ماجة في السنة‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة وغيره، ومسلم في الزكاة، وأبو داود في السنة، والنسائي في المحاربة‏.‏ وأما حديث أبي ذر فأخرجه أحمد في مسنده ومسلم في الزكاة ‏(‏وقد روى في غير هذا الحديث‏)‏ كحديث علي وأبي سعيد وغيرهما ‏(‏إنما هم الخوارج‏)‏ جمع خارجة وهم قوم مبتدعون، سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين‏.‏ وقد أطال الحافظ الكلام في بيان معتقدهم وحالهم في الفتح في باب قتل الخوارج والملحدين ‏(‏الحرورية‏)‏ قال الحافظ في شرح قول عائشة‏:‏ أحرورية أنت‏؟‏ ما لفظه الحروري منسوب إلى حروراء بفتح الحاء وضم الراء المهملتين وبعد الواو الساكنة راء أيضاً، بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أيها بالمد قال المبرد‏:‏ النسبة إليها حروراوي، وكذا كل ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل الحروري بحذف الزوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروري لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنسبة إليها وهم فرق كثيرة لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم، الأخذ بما دل عليه القرآن ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقاً‏.‏

1460- باب في الأَثَرةِ وما جاء فيه

2219- حَدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبو دَاودَ حدثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، حدثنا أَنَسُ بنُ مَالِكٍ عَنْ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ رَجَلاً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ يَا رَسولَ الله اسْتَعْمَلْتَ فُلاَناً وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِنّكُمْ ستَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فاصْبِروا حَتّى تلقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وهذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

2220- حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عَنْ عَبدِ الله عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّكُمْ ستَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرةً وَأُمُوراً تُنكِرُونَهَا‏.‏ قَالُوا فَمَا تَأْمُرنَا يا رسول الله، قَالَ‏:‏ ‏"‏أَدّوا إِلَيْهِمْ حَقّهُمْ وَاسْأَلُوا الله الّذِي لَكُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏استعملت فلاناً‏)‏ أي جعلته عاملاً ‏(‏فقال‏)‏ أي للأنصار كما في حديث أنس عند البخاري في مناقب الأنصار ‏(‏إنكم‏)‏ أيها الأنصار ‏(‏سترون بعدي أثرة‏)‏ بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسر أوله مع الإسكان، أي الانفراد بالشيء المشترك دون من يشركه فيه‏.‏ والمعنى أنه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق‏.‏ وقال أبو عبيد‏:‏ معناه يفضل نفسه عليكم في الفيء كذا في الفتح ‏(‏فاصبروا حتى تلقوني على الحوض‏)‏ أي يوم القيامة، أي اصبروا حتى تموتوا فإنكم ستجدونني عند الحوض فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم والثواب الجزيل على الصبر‏.‏

قال الحافظ‏:‏ والسر في جوابه على طلب الولاية بقوله سترون بعدي أثرة إرادة نفي ظنه أنه آثر الذي ولاه عليه فبين له أن ذلك لا يقع في زمانه، وأنه لم يخصه بذلك لذاته بل لعموم مصلحة المسلمين، وأن الاستئثار للحظ الدنيوي إنما يقع بعدي وأمرهم عند وقوع ذلك بالصبر انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد في مسنده والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنكم سترون بعدي أثرة‏)‏ قال في النهاية الأثرة بفتح الهمزة والثاء الاسم من آثر يؤثر إيثاراً إذا أعطى‏.‏ أراد أنه يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء‏.‏ والاستئثار الانفراد بالشيء ‏(‏وأموراً تنكرونها‏)‏ يعني من أمور الدين ‏(‏قالوا فما تأمرنا‏)‏ أي أن نفعل إذا وقع ذلك ‏(‏أدوا إليهم‏)‏ أي إلى الأمراء ‏(‏حقهم‏)‏ أي الذي وجب لهم المطالبة به وقبضه سواء كان يختص بهم أو يعم ‏(‏واسألوا الله الذي لكم‏)‏ أي بأن يلهمهم إنصافكم أو يبدلكم خيراً منهم كذا في والفتح‏.‏ قال الطيبي‏:‏ أي لا تقاتلوهم باستيفاء حقكم ولا تكافئوا استئثارهم باستئثاركم بل وفروا إليهم حقهم من السمع والطاعة وحقوق الدين وسلوا الله من فضله أن يوصل إليكم حقكم من الغنيمة والفيء ونحوهما، وكلوا إلى الله تعالى أمركم، والله لا يضيع أجر المحسنين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1461- باب ما أخْبَرَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أصْحَابَه بما هو كائنٌ الى يَومِ القِيَامَةِ

2221- حَدّثنا عِمْرَانُ بنُ مُوسَى القَزّازُ البَصْرِيّ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ حدثنا عَلِيّ بنُ زَيْدٍ بن جدعان القرشي عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ‏:‏ صَلّى بِنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً صَلاَة العَصْرِ بِنَهَارٍ ثُمّ قَامَ خَطِيباً فَلَمْ يَدْعَ شَيئاً يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السّاعَةِ إِلاّ أَخْبَرَنَا بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ‏:‏ ‏"‏إِن الدّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلاَ فَاتّقُوا الدّنْيَا وَاتّقُوا النّسَاءَ، وكَانَ فِيمَا قَالَ‏:‏ أَلاَ لاَ تَمْنَعنّ رَجُلاً هيبةُ النّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍ إِذَا عَلِمَهُ‏.‏ قَالَ فَبَكىَ أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ‏:‏ قَد وَالله رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا وَكَانَ فِيمَا قَالَ‏:‏ أَلا إِنّهُ يُنْصَبُ لِكُلّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ وَلاَ غَدْرَةَ أَعْظَمَ مِنْ غَدْرَةِ إِمَامِ عامةٍ يُرْكَزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ إِسْتِهِ‏.‏ وَكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا يَوْمَئذٍ‏:‏ أَلاَ إِنّ بَني آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤمِناً وَيَحْيى مُؤْمِناً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَلَدُ كَافِراً وَيَحْيَى كَافِراً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيَى مُؤْمِناً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيَى كَافِراً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً، أَلا وَإنّ مِنْهُمُ البَطِيءَ الغَضَبِ سَرِيعَ الفَيءِ، وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الغَضَبِ سَرِيعُ الفَيْء، فِتِلْكَ بِتِلْكَ، أَلاَ وَإِنّ مِنْهُمْ سَرِيعَ الغَضَبِ بَطِيءَ الفَيء، أَلاَ وَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الغَضَبِ سَرِيعُ الفَيءِ، ألا وَشَرّهُمْ سَرِيعُ الغَضَبِ بَطِيءُ الفيء، أَلاَ وَإِنّ مِنْهُمْ حَسَنَ القَضَاءِ حَسَنَ الطّلَبِ، وَمِنْهُمْ سَيّءُ القَضَاءِ حَسَنُ الطّلَبِ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ القَضَاءِ سَيّءُ الطّلَبِ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ أَلاَ وَإِنّ مِنْهُمْ السيء القَضَاءِ السّيّء الطّلَبِ، أَلاَ وَخَيْرُهُمْ الْحَسَنُ القَضَاءِ الحَسَنُ الطّلَبِ، أَلاَ وَشَرّهُمْ سَيّءُ القَضَاءِ سَيّءُ الطّلَبِ، أَلاَ وَإِنّ الغَضَبَ جَمْرةٌ في قَلْبِ ابنِ آدَمَ أَمَا رَأيتُمْ إِلَى حُمْرةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ، فَمَنْ أَحَسّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بالأرْضِ، قالَ‏:‏ وَجَعَلْنَا نَلْتَفِتُ إِلَى الشّمْسِ هَلْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ‏؟‏ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَلاَ إِنّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلاّ كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فيمَا مَضَى مِنْهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن حُذَيْفَةَ وَأَبِي مَرْيمَ وَأَبِي زَيْدِ بنِ أَخْطَبَ والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ وذَكَرُوا‏:‏ ‏"‏أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَدّثَهُمْ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السّاعَةُ‏"‏‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بنهار‏)‏ فيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم عجل العصر في ذلك اليوم ‏(‏ثم قام خطيباً‏)‏ أي واعظاً ‏(‏فلم يدع‏)‏ أي لم يترك ‏(‏شيئاً‏)‏ أي مما يتعلق بأمر الدين مما لا بد منه ‏(‏يكون‏)‏ أي يقع ذلك الشيء ‏(‏إلى قيام الساعة‏)‏ أي ساعة القيامة ‏(‏حفظه من حفظه‏)‏ أي من وفقه الله وحفظه ‏(‏ونسيه من نسيه أي من أنساه الله وترك نصره ‏(‏فكان‏)‏ وفي بعض النسخ وكان ‏(‏فيما قال‏)‏ أي من خطبته وموعظته ‏(‏إن الدنيا خضرة‏)‏ بفتح فكسر، أي ناعمة طرية محبوبة ‏(‏حلوة‏)‏ بضم أوله أي لذيذة حسنة، وإنما وصفها بالخضرة لأن العرب تسمي الشيء الناعم خضراً أو لشبهها بالخضروات في ظهور كمالها وسرعة زوالها‏.‏ وفيه بيان أنها تفتن الناس بلونها وطعمها ‏(‏وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون‏)‏ أي جاعلكم خلفاء من قرن خلوا قبلكم فينظر تطيعونه أو لا ‏(‏ألا‏)‏ للتنبيه ‏(‏فاتقوا الدنيا‏)‏ أي احذروا زيادتها على قدر الحاجة المعينة للدين النافعة في الأخرى ‏(‏واتقوا النساء‏)‏ أي كيدهن ومكرهن ‏(‏وكان فيما قال‏)‏ صلى الله عليه وسلم من خطبته ‏(‏ألا‏)‏ للتنبيه ‏(‏هيبة الناس‏)‏ أي عظمتهم وشوكتهم ومخافتهم ومهابتهم ‏(‏أن يقول بحق‏)‏ أي من أن يتكلم به أو يأمر به ‏(‏قد والله رأينا أشياء فهبنا‏)‏ أي خفنا من هابه يهابه أي يخافه‏.‏ والمعنى منعتنا هيبة الناس أن نتكلم فيها ‏(‏ينصب لكل غادر‏)‏ من الغدر وهو ترك الوفاء ‏(‏لواء‏)‏ بكسر اللام أي علم إعلاماً بسوء حاله وقبح مآله ‏(‏بقدر غدرته‏)‏ مصدر بمعنى الغدر ‏(‏ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامة‏)‏ قال التوربشتي رحمه الله تعالى‏:‏ أراد به المتغلب الذي يستولي على أمور المسلمين وبلادهم بتأمير العامة ومعاضدتهم إياه من غير مؤامرة من الخاصة، وأهل العقد من أولى العلم ومن ينضم إليهم من ذوي السابقة ووجوه الناس ‏(‏يركز‏)‏ بصيغة المجهول، أي يغرز كما في رواية ‏(‏لواءه عند استه‏)‏ بهمزة الوصل مكسورة، العجز أو حلقة الدبر أي ينصب لواءه عند إسته تحقيراً له ‏(‏ألا‏)‏ للتنبيه ‏(‏خلقوا‏)‏ أي جبلوا على ما خلق الله فيهم من اختيار الخير والشر ‏(‏على طبقات شتى‏)‏ أي مراتب مختلفة باعتبار اختلاف أحوال الإيمان والكفر وأوقاتهما‏.‏

‏(‏فمنهم من يولد مؤمناً‏)‏ أي من أبويه المؤمنين أو في بلاد المؤمنين فإنه حين يولد قبل التمييز لا ينسب إليه الإيمان إلا باعتبار ما علم الله فيه من الأزل، أو باعتبار ما يؤول إليه أمره في الاستقبال ‏(‏يحيى‏)‏ أي يعيش في جميع عمره من حين تمييزه إلى انتهاء عمره ‏(‏مؤمناً‏)‏ أي كاملاً أو ناقصاً ‏(‏ويموت مؤمناً‏)‏ أي وكذلك جعلنا الله منهم ‏(‏ومنهم من يولد كافراً‏)‏ أي بخلاف ما سبق وهو لا ينافي ما ورد‏:‏ كل مولد يولد على الفطرة، فإن المراد بها قابلية قبول الهداية لولا مانع من بواعث الضلالة، كما يشهد له قوله‏:‏ فأبواه يهودانه الحديث‏.‏

‏(‏ومنهم من يولد كافراً ويحيى كافراً ويموت مؤمناً‏)‏ فالعبرة بالخواتيم، وكان التقسيم غالبي، وإلا فمنهم من يولد مؤمناً ويحيى كافراً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيى مؤمناً ويموت كافراً‏.‏ ولعل عدم ذكرهما لأن المقصود منه أن العبرة بالخاتمة‏.‏

وقد علمت مما ذكر إجمالاً ‏(‏ألا‏)‏ للتنبيه وكذا ما بعده ‏(‏وإن منهم‏)‏ أي من بني آدم ‏(‏البطيء الغضب‏)‏ فعيل من البطء مهموز، وقد يبدل ويدغم وهو ضد السريع ‏(‏سريع الفيء‏)‏ أي سريع الرجوع من الغضب ‏(‏ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك‏)‏ وفي المشكاة فإحداهما بالأخرى‏.‏

قال القاري‏:‏ أي إحدى الخصلتين مقابلة بالأخرى ولا يستحق المدح والذم فاعلهما لاستواء الحالتين فيه بمقتضى العقل، فلا يقال في حقه إنه خير الناس ولا شرهم انتهى‏.‏ وههنا قسم رابع لم يذكره الترمذي وذكره غيره‏.‏ ففي المشكاة‏:‏ ومنهم من يكون بطيء الغضب بطيء الفيء، فإحداهما بالأخرى‏.‏ قال القاري‏:‏ والتقسيم بمقتضى العقل رباعي لا خامس له‏.‏ وفيه إشارة إلى أن الإنسان خلق فيه جمع الأخلاق المرضية والدنية، وأن كماله أن تغلب له الصفات الحميدة على الذميمة، لا أنها تكون معدومة فيه بالكلية وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والكاظمين الغيظ‏}‏ حيث لم يقل والعادمين، إذ أصل الخلق لا يتغير ولا يتبدل‏.‏ ولذا ورد‏:‏ ولو سمعتم أن جبلاً زال عن مكانه فصدقوه، وإن سمعتم أن رجلاً تغير عن خلقه أي الأصلي فلا تصدقوه‏.‏ ومما يدل على جواز تبديل الأخلاق في الجملة دعاؤه صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم أهدني لصالح الأخلاق لا يهدي لصالحها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت انتهى‏.‏

‏(‏ألا وإن منهم حسن القضاء‏)‏ أي مستحسن الأداء إذا كان عليه الدين ‏(‏حسن الطلب‏)‏ أي إذا كان له دين على أحد ‏(‏ومنهم سيء القضاء حسن الطلب‏)‏ أي فإحداهما بالأخرى كما في رواية ‏(‏ومنهم سيء القضاء سيء الطلب فتلك بتلك‏)‏‏.‏ وفي المشكاة‏:‏ منكم من يكون حسن القضاء، وإذا كان له أفحش في الطلب‏.‏ قال القاري‏:‏ بأن لم يراع الأدب وآذى في تقاضيه، وعسر على صاحبه في الطلب ‏(‏ألا وإن الغضب جمرة‏)‏ أي حرارة غريزية، وحدة جبلية مشعلة جمرة نار مكمونة في كانون النفس ‏"‏إلى حمرة عينيه‏"‏ كما يوجد مثل هذا عند حرارة الطبيعة في أثر الحمى ‏"‏وانتفاخ أوداجه‏"‏‏.‏ قال في النهاية‏:‏ الأوداج ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج بالتحريك، وقيل الودجان هما عرقان غليظان عن جانبي ثغرة النحر انتهى‏.‏ ‏"‏فمن أحسن بشيء من ذلك‏"‏ أي أدرك ظهور أثر منه أو من علم في باطنه شيئاً منه ‏"‏فليلصق بالأرض‏"‏ من باب علم يعلم أي فليلتزق بها حتى يسكن غضبه، وإنما أمره به لما فيه من الضعة عن الاستعلاء، وتذكار أن من كان أصله من التراب لا يستحق أن يتكبر ‏"‏ولم يبق من الدنيا فيما مضى منها‏"‏ أي في جملة ما مضى منها ‏"‏إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه‏"‏ يعني نسبة ما بقي من أيام الدنيا إلى جملة ما مضى كنسبة ما بقي من يومكم هذا إلى ما مضى منه‏.‏ وقوله إلا كما بقي مستثنى من فاعل لم يبق أي لم يبق شيء من الدنيا إلا مثل ما بقي من يومكم هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ في مسنده عليّ بن زيد بن جدعان وهو صدوق عند الترمذي ضعيف عند غيره والحديث أخرجه أيضاً أحمد والحاكم والبيهقي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن المغيرة بن شعبة وأبي زيد بن أخطب وحذيفة وأبي مريم الخ‏)‏ أما حديث أبي زيد بن أخطب فأخرجه أحمد ومسلم في الفتن‏.‏ وأما حديث المغيرة وأبي مريم فلينظر من أخرجه‏.‏

1462- باب ما جاء في أهل الشّام

2222- حَدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ، حدثنا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ قُرّةَ عن أَبِيهِ قَالَ‏:‏ ‏"‏قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا فَسدَ أَهْلُ الشّامِ فَلاَ خَيْرَ فِيكُمْ‏:‏ لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي مَنْصُورِينَ لاَ يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ‏"‏ قَالَ محمدُ بنُ إِسماعِيلَ قَالَ عَلِيّ بنُ المَدِينيّ، هُمْ أَصْحَابُ الحَدِيثِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ حَوَالَةَ وَابنِ عُمَر وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2223- حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ عَن أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ، قَالَ‏:‏ قلت‏:‏ يَا رَسُولَ الله أَينَ تَأْمُرنِي‏؟‏ قَالَ‏:‏ هَاهُنَا‏"‏‏.‏ وَنَحَا بِيدَهِ، نَحْوَ الشَامِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسن صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي قرة بن إياس بن هلال المزني أبي معاوية، صحابي نزيل البصرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏"‏إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم‏"‏ أي للقعود فيها أو التوجه إليها ‏(‏لا تزال‏)‏ بالمثناة الفوقية أوله ‏(‏طائفة‏)‏ قال القرطبي‏:‏ الطائفة الجماعة‏.‏ وقال في النهاية‏:‏ الطائفة الجماعة من الناس وتقع على الواحد، وكأنه أراد نفساً طائفة ‏(‏منصورين‏)‏ أي غالبين على أعداء الدين ‏"‏لا يضرهم من خذلهم‏"‏ أي ترك نصرتهم ومعاونتهم ‏"‏حتى تقوم الساعة‏"‏ أي تقرب الساعة وهو خروج الريح، قاله النووي‏.‏ وقال القسطلاني في شرح البخاري‏:‏ واستشكل بحديث مسلم عن عبد الله بن عمر‏:‏ ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس الحديث‏.‏

وأجيب بأن المراد من شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة قوم يكونون بموضع مخصوص، وبموضع آخر تكون طائفة يقاتلون عن الحق وعند الطبراني من حديث أبي أمامة‏:‏ قيل يا رسول الله وأين هم‏؟‏ قال ببيت المقدس‏.‏ والمراد بهم الذي يحصرهم الدجال إذا خرج فينزل عيسى إليهم فيقتل الدجال، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج الدجال أو بعد موت عيسى عليه السلام بعد هبوب الريح التي تهب بعده فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة، وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلاً عن هذه الطائفة الكريمة، وهذا كما في الفتح أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين المذكورين انتهى‏.‏

‏(‏قال محمد بن إسماعيل‏)‏ يعني الإمام البخاري رحمه الله تعالى ‏(‏قال علي بن المديني‏)‏ هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن البصري ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله حتى قال البخاري‏:‏ ما استصغرت نفسي إلا عنده‏.‏ وقال فيه شيخه ابن عيينة‏:‏ كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلمه مني‏.‏ وقال النسائي‏:‏ كأن الله خلقه للحديث ‏(‏هم أصحاب الحديث‏)‏ وقال البخاري في صحيحه‏:‏ وهم أهل العلم‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد‏:‏ إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم‏.‏ ومن طريق يزيد بن هارون مثله انتهى‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث‏.‏ وقال النووي‏:‏ ويحتمل أن هذه الطائفة متفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف ونهاهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن حوالة وابن عمر وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو‏)‏ أما حديث عبد الله بن حوالة فأخرجه أحمد وأبو داود‏.‏ وأما حديث ابن عمر وحديث زيد بن ثابت فأخرجهما الترمذي في باب فضل الشام واليمن، من أبواب المناقب‏.‏ ولابن عمر حديث آخر يأتي في باب‏:‏ لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد في مسنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا بهز‏)‏ بفتح موحدة وسكون هاء فزاي‏.‏ قال في التقريب‏:‏ بهز بن حكيم بن معاوية القشيري أبو عبد الملك صدوق من السادسة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري‏.‏ قال في تهذيب التهذيب‏:‏ ذكره ابن حبان في الثقات‏.‏ وذكره أبو الفضائل الصغاني فيمن اختلف في صحبته وهو وهم منه، فإنه تابعي قطعاً انتهى ‏(‏عن جده‏)‏ أي معاوية بن حيدة بفتح المهملتين بينهما تحتانية ساكنة ابن معاوية بن كعب القشيري صحابي نزل البصرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ونحا بيده‏)‏ أي أشار بها ‏(‏نحو الشام‏)‏ أي إلى الشام‏.‏ قال في القاموس‏:‏ نحاه ينحوه وينحاه قصده كإنتحاه والنحو الطريق والجهة‏.‏ وروى أحمد هذا الحديث في مسنده بلفظ‏:‏ قلت يا رسول الله أين تأمرني‏؟‏ خر لي‏.‏ فقال بيده نحو الشام‏.‏ وقال إنكم محشورون رجالاً وركباناً وتجرون على وجوهكم‏.‏ ورواه الطبراني في الكبير بلفظ‏:‏ عليكم بالشام قال المناوي‏:‏ أي الزموا سكناه لكونها أرض المحشر والمنشر‏.‏ أو المراد آخر الزمان لأن جيوش المسلمين تنزوي إليها عند غلبة الفساد، قال وإسناده ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والطبراني كما عرفت‏.‏

1463- باب ما جاء ‏"‏لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكمْ رِقَابَ بَعْضٍ‏"‏

2224- حَدّثنا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيّ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ، حدثنا فُضَيلُ بنُ غَزْوانَ، حدثنا عِكْرِمَةُ عن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ‏:‏ ‏"‏قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي الباب عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وجَرِيرٍ وابنِ عُمَر وَكُرْزٍ ابنِ عَلْقَمَةَ وَوَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ وَالصّنَابِحِيّ‏.‏ وهذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا ترجعوا بعدي‏)‏ أي لا تصيروا بعد موتي ‏(‏كفاراً‏)‏ قال الطيبي أي مشبهين بهم في الأعمال ‏(‏يضرب بعضكم رقاب بعض‏)‏ قال الحافظ بجزم يضرب على أنه جواب النهي، وبرفعه على الاستئناف أو يجعل حالاً انتهى‏.‏ وقال في المجمع‏:‏ أي لا تصيروا بعد موقفي هذا أي بعد موتي مستحلين القتال أولاً لا تتشبهوا بالكفار في القتال انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وجرير وابن عمر وكرز بن علقمة وواثلة بن الأسقع والصنابحي‏)‏ أما حديث جرير فأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة‏.‏ وأما حديث كرز بن علقمة وحديث الصنابحي فأخرجهما أحمد في مسنده، وحديث الصنابحي أخرجه أيضاً ابن ماجة‏.‏ وأما حديث ابن مسعود وحديث واثلة فلينظر من أخرجهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري في الفتن‏.‏

1464- باب مَا جَاءَ تَكُونُ فِتْنةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِم

2225- حَدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الّليْثُ عَنْ عَيّاشٍ بن عبّاسٍ عن بُكَيرِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الأشجّ عن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ، أَنّ سَعْدَ بن أَبِي وَقّاصٍ قَالَ عَنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ‏:‏ ‏"‏أَشْهَدُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ إِنّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائمِ، وَالقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، والماشي خَيْرٌ من الساعِي‏.‏ قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَىّ لِيَقْتُلَنِي، قَالَ كُنْ كابنِ آدَمَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي الباب عن أبِي هُرَيْرَةَ وخَبّابِ بنِ الأَرَتّ وأبي بَكْرَةَ وابنِ مَسْعُودٍ وأبي وَاقِدٍ وأبي مُوسَى وَخَرْشَةَ‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ‏.‏ وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحديثَ عن الليث بنِ سَعْدٍ، وَزَادَ في الإِسنادِ رَجُلاً‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن سَعْدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من غيرِ هذا الْوَجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الليث‏)‏ هو ابن سعد ‏(‏عن عياش بن عباس‏)‏ القتباني المصري ثقة من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنها ستكون فتنة‏)‏ أي عظيمة ‏(‏القاعد فيها‏)‏ أي في تلك الفتنة ‏(‏خير من القائم‏)‏ لأنه يرى ويسمع ما لا يراه ولا يسمعه القاعد، فيكون أقرب من عذاب تلك الفتنة بمشاهدته ما لا يشاهده القاعد، ويمكن أن يكون المراد بالقاعد هو الثابت في مكانه غير متحرك لما يقع من الفتنة في زمانه، والمراد بالقائم ما يكون فيه نوع باعث وداعية لكنه متردد في إثارة الفتنة ‏(‏والقائم‏)‏ في الفتنة أي من بعيد مشرف عليها أو القائم بمكانه في تلك الحالة ‏(‏خير من الماشي‏)‏ أي من الذاهب على رجله إليها ‏(‏والماشي خير من الساعي‏)‏ أي المسرع إليها ماشياً أو راكباً‏.‏ قال الحافظ قال بعض الشراح في قوله‏:‏ والقاعد فيها خير من القائم أي القاعد في زمانها عنها‏.‏ قال‏:‏ المراد بالقائم الذي لا يستشرفها، وبالماشي من يمشي في أسبابه لأمر سواها فربما يقع بسبب مشيه في أمر يكرهه‏.‏ وحكى ابن التين عن الداودي أن الظاهر أن المراد من يكون مباشراً لها في الأحوال كلها يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض، فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سبباً لإثارتها ثم من يكون قائماً بأسبابها وهو الماشي، ثم من يكون مباشراً لها وهو القائم، ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد، ثم من يكون مجتنباً لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان، ثم من لا يقع منه شيء من ذلك ولكنه راضٍ وهو النائم والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شراً ممن فوقه على التفصيل المذكور انتهى ‏(‏قال‏)‏ أي سعد ‏(‏أفرأيت‏)‏ أي فأخبرني ‏(‏إن دخل علي‏)‏ بتشديد الياء ‏(‏وبسط يده‏)‏ أي مدها ‏(‏كن كابن آدم‏)‏ المطلق ينصرف إلى الكامل وفيه إشارة لطيفة إي أن هابيل المقتول المظلوم هو ابن آدم لا قابيل القاتل الظالم كما قال تعالى في حق ولد نوح عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح‏"‏ كذا في المرقاة‏.‏

قال النووي هذا الحديث وما في معناه مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال‏.‏ وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة، فقالت طائفة‏:‏ لا يقاتل في فتن المسلمين وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه، لأن الطالب متأول وهذا مذهب أبي بكرة رضي الله عنه وغيره‏.‏ وقال ابن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهم وغيرهما‏:‏ لا يدخل فيها لكن إن قصد الدفع عن نفسه فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام‏.‏ وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام‏:‏ يجب نصر المحق في الفتن والقيام معه بمقاتلة الباغين كما قال تعالى ‏{‏فقاتلوا التي تبغي‏}‏ الاَية‏.‏ وهذا هو الصحيح وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحد منهما‏.‏ ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطلل أهل البغي والمبطلون انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكرة وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة‏)‏ أما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد والشيخان‏.‏ وأما حديث خباب بن الأرت فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث أبي بكرة فأخرجه مسلم‏.‏ وأما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد وأبو داود‏.‏ وأما حديث أبي واقد فلينظر من أخرجه‏.‏ وأما حديث أبو موسى فأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة‏.‏ وأما حديث خرشة فأخرجه أحمد وأبو يعلى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود في الفتن والحديث سكت عند هو والمنذري‏.‏

1465- باب ما جاءَ سَتَكُونُ فتن كَقِطعِ الّليْلِ المُظْلِم

2226- حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عبدُ الْعَزِيزِ بنُ محمّدٍ عَنْ الْعَلاَءِ بنِ عبدِ الرحمَنِ عن أَبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ الّليْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرّجُلُ مُؤْمِناً ويُمْسِي كَافِراً، ويُمْسِي مُؤْمِناً ويُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدّنْيَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2227- حدّثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، حدثنا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ، حدثنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن هِنْدِ بِنْتِ الْحَارِثِ عن أُمّ سَلَمَةَ‏:‏ ‏"‏أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ‏:‏ سُبْحَانَ الله، مَاذَا أُنْزِلَ الّليْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ‏؟‏ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ‏؟‏ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ‏؟‏ يَا رُبّ كَاسِيَةٍ في الدّنْيَا، عَارِيَةٍ في الاَخِرَةِ‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2228- حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الّليْثُ بن سعد عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن سَعْدِ بنِ سِنَانٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏تَكُونُ بَيْنَ يَدَىْ السّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ الّليْلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً ويُمْسِي كَافِراً، ويُمْسِي مُؤْمِناً ويُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَض من الدّنْيَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وَجُنْدبٍ وَالنّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ وأبي مُوسَى‏.‏ وهذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ‏.‏

2229- حدثنا صَالحُ بنُ عبد الله، حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمانَ عن هِشَامٍ عن الْحَسَنِ قال‏:‏ كَانَ يَقُولُ في هَذَا الْحَدِيثِ‏:‏ ‏"‏يُصْبِحُ الرّجُلُ مُؤْمِناً ويُمْسِي كَافِراً، ويُمْسِي مُؤْمِناً ويُصْبِحُ كَافِراً، قال‏:‏ يُصْبِحُ الرّجُلُ مُحَرّماً لِدَمِ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ ويُمْسِي مُسْتَحِلاّ لَهُ، ويُمْسِي مُحَرّماً لِدَمِ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ ويُصْبِحُ مُسْتَحِلاّ لَهُ‏"‏‏.‏

2230- حدّثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الْخَلاّلُ‏.‏ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا شُعْبَةُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلِ بنِ حُحْرٍ عن أَبِيهِ قال‏:‏ ‏"‏سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ فقال‏:‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءٌ يَمْنَعُونَا حَقّنَا ويَسْأَلُونَا حَقّهُمْ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنّما عَلَيْهِمْ مَا حُمّلُوا وَإِنّمَا عَلَيْكُمْ مَا حُمّلتُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، مولى الحرقة، ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بادروا‏)‏ أي سابقوا وسارعوا ‏(‏بالأعمال‏)‏ أي بالاشتغال بالأعمال الصالحة ‏(‏فتناً‏)‏ أي وقوع فتن ‏(‏كقطع الليل المظلم‏)‏ بكسر القاف وفتح الطاء جمع قطعة وهي طائفة‏.‏ والمعنى كقطع من الليل المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبين الصلاح والفساد فيها‏.‏ وحاصل المعنى تعجلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن المظلمة من القتل والنهب والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين، فإنكم لا تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها، والمراد من التشبيه بيان حال الفتن من حيث أنه بشيع فظيع، ولا يعرف سببها ولا طريق الخلاص منها، فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته أو بدفعه قبل وقوعه ‏(‏يصبح الرجل مؤمناً‏)‏ أي موصوفاً بأصل الإيمان أو بكماله ‏(‏ويمسي كافراً‏)‏ أي حقيقة أو كافراً للنعمة أو مشابهاً للكفرة أو عاملاً عمل الكافر‏.‏ وقيل المعنى يصبح محرماً ما حرمه الله، ويمسي مستحلاً إياه وبالعكس‏.‏

قلت‏:‏ وهذا المعنى الأخير اختاره الحسن البصري، وقد ذكره الترمذي في هذا الباب ‏(‏يبيع أحدهم دينه‏)‏ أي بتركه ‏(‏بعرض‏)‏ بفتحتين أي بأخذ متاع دنيء وثمن رديء‏.‏ قال الطيبي رحمه الله‏:‏ قوله يصبح استئناف بيان لحال المشبه، وهو قوله فتناً، وقوله يبيع إلخ بيان للبيان‏.‏ وقال المظهر‏:‏ فيه وجوه‏:‏ أحدها- أن يكون بين طائفتين من المسلمين قتال لمجرد العصبية والغضب، فيستحلون الدم والمال‏.‏ وثانيها- أن يكون ولاة المسلمين ظلمة، فيريقون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم بغير حق، ويزنون ويشربون الخمر، فيعتقد بعض الناس أنهم على الحق ويفتيهم بعض علماء السوء، على جواز ما يفعلون من المحرمات، من إراقة الدماء وأخذ الأموال ونحوها‏.‏ وثالثها- ما يجري بين الناس مما يخالف الشرع في المعاملات والمبايعات وغيرها فيستحلونها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سويد بن نصر‏)‏ بن سويد المروزي لقبه الشاة ثقة من العاشرة ‏(‏عن هند بنت الحارث‏)‏ الفراسية ويقال القرشية، ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة‏)‏ زاد البخاري في رواية فزعاً ‏(‏فقال سبحان الله‏)‏ بالنصب بفعل لازم الحذف، قاله تعجباً واستعظاماً ‏(‏ماذا‏)‏ ما استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم ‏(‏أنزل‏)‏ بصيغة المجهول، وفي رواية للبخاري أنزل الله بإظهار الفاعل والمراد بالإنزال إعلام الملائكة بالأمر المقدور‏.‏ أو أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحى إليه في نومه ذاك بما سيقع بعده من الفتن، فعبر عنه بالإنزال‏.‏ قاله الحافظ ‏(‏الليلة من الفتنة‏؟‏ ماذا أنزل من الخزائن‏؟‏‏)‏ عبر عن الرحمة بالخزائن كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خزائن رحمة ربك‏}‏ وعن العذاب بالفتنة لأنها أسبابه قاله الكرماني ‏(‏من يوقظ‏)‏ استفهام أي هل أحد يوقظ قال الحافظ أراد بقوله من يوقظ بعض خدمه كما قال يوم الخندق‏:‏ من يأتيني بخبر القوم‏؟‏ وأراد أصحابه‏.‏ لكن هناك عرف الذي انتدب كما تقدم وهنا لم يذكر ‏(‏صواحب الحجرات‏؟‏‏)‏ جمع حجرة‏.‏

قال في الصراح‏:‏ حجرة حظيرة شتروخانة خورد، والجمع حجر، مثل غرفة وغرف وحجرات بضم الجيم انتهى يعني صلى الله عليه وسلم بصواحب الحجرات أزواجه وإنما خصهن بالإيقاظ لأنهن الحاضرات أو من باب أبدأ بنفسك ثم بمن تعول ‏(‏يا رب كاسية‏)‏ قيل المنادى فيه محذوف والتقدير يا سامعين ورب للتكثير ‏(‏عارية في الاَخرة‏)‏ قال عياض‏:‏ الأكثر بالخفض على الوصف للمجرور برب، وقال غيره‏:‏ الأولى الرفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النعت أي هي عارية والفعل الذي يتعلق به رب محذوف‏.‏ وقال السهيلي‏:‏ الأحسن الخفض على النعت لأن رب حرف جر يلزم صدر الكلام، وهذا رأي سيبويه‏.‏ وعند الكسائي هو اسم مبتدأ والمرفوع خبره وإليه كان يذهب بعض شيوخنا انتهى‏.‏ وأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى موجب استيقاظ أزواجه، أي ينبغي لهن أن لا يتغافلن عن العبادة ويعتمدن على كونهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال الحافظ‏:‏ واختلف في المراد بقوله كاسية وعارية على أوجه‏:‏ أحدها- كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الاَخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا‏.‏ ثانيها- كاسية بالثياب لكنها شفافة لا تستر عورتها فتعاقب في الاَخرة بالعري جزاء على ذلك‏.‏ ثالثها- كاسية من نعم الله، عارية من الشكل الذي تظهر ثمرته في الاَخرة بالثواب‏.‏ رابعها- كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها فتصير عارية، فتعاقب في الاَخرة‏.‏ خامسها- كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الاَخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلا أنساب بينهم‏}‏ ذكر هذا الأخير الطيبي ورجحه لمناسبة المقام، واللفظة وإن وردت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكن العبرة بعموم اللفظ‏.‏ قال ابن بطال في هذا الحديث‏:‏ إن المفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه وأن يبخل به فيمنع الحق، أو يبطر فيسرف فأراد صلى الله عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك كله، وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك، وفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة، ولا سيما في الليل لرجاء وقت الإجابة لتكشف أو يسلم الداعي، ومن دعا له انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والبخاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سعد بن سنان‏)‏ قال في التقريب سعد بن سنان، ويقال سنان بن سعد الكندي المصري، وصوب الثاني البخاري وابن يونس، صدوق له أفراد من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تكون بين يدي الساعة‏)‏ أي قدامها من أشراطها ‏(‏فتن‏)‏ أي فتن عظام ومحن جسام ‏(‏كقطع الليل المظلم‏)‏ بكسر القاف وفتح الطاء ويسكن أي كل فتنة كقطعة من الليل المظلم في شدتها وظلمتها وعدم تبين أمرها‏.‏ قال الطيبي‏:‏ يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها ‏(‏يصبح الرجل فيها‏)‏ أي في تلك الفتن، والظاهر أن المراد بالإصباح والإمساء تقلب الناس فيها وقتاً دون وقت، لا بخصوص الزمانين، فكأنه كناية عن تردد أحوالهم، وتذبذب أقوالهم، وتنوع أفعالهم من عهد ونقض، وأمانة وخيانة، ومعروف ومنكر، وسنة وبدعة، وإيمان وكفر ‏(‏بعرض الدنيا‏)‏ أي بقليل من حطامها، والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وجندب والنعمان بن بشير وأبي موسى‏)‏ أما حديث أبي هريرة فلعل الترمذي أشار إلى حديث له آخر غير الحديث المذكور‏.‏ وأما حديث جندب فلينظر من أخرجه‏.‏ وأما حديث النعمان بن يشير فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث أبي موسى فتقدم تخريجه في الباب المتقدم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ لم يحسنه الترمذي، والظاهر أنه حسن والله تعالى أعلم‏.‏ والحديث أخرجه أيضاً أحمد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن هشام‏)‏ هو ابن حسان ‏(‏عن الحسن‏)‏ هو الحسن البصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ورجل يسأله‏)‏ جملة حالية‏.‏ وفي رواية مسلم عن وائل بن حجر قال‏:‏ سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا نبي الله أرأيت الخ ‏(‏يمنعونا‏)‏ بتشديد النون صفة أمراء ‏(‏حقنا‏)‏ أي من العدل وإعطاء الغنيمة ‏(‏ويسألونا‏)‏ أي يطلبوننا ‏(‏حقهم‏)‏ من الطاعة والخدمة ‏(‏اسمعوا‏)‏ أي ظاهراً ‏(‏وأطيعوا‏)‏ أي باطناً، أو اسمعوا قولاً وأطيعوا فعلاً ‏(‏فإنما عليهم ما حملوا‏)‏ بتشديد الميم أي ما كلفوا من العدل وإعطاء حق الرعية ‏(‏وعليكم ما حملتم‏)‏ وفي بعض النسخ‏:‏ وإنما عليكم ما حملتم أي من الطاعة والصبر على البلية‏.‏ وكأن الحديث مقتبس من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين‏}‏‏.‏ وحاصله أنه يجب على كل أحد ما كلف به، ولم يتعد حده‏.‏ قال الطيبي‏:‏ قدم الجار والمجرور على عامله للاختصاص، أي ليس على الأمراء إلا ما حمله الله، وكلفه عليهم من العدل والتسوية‏.‏ فإذا لم يقيموا بذلك فعليهم الوزر والوبال، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة، وأداء الحقوق، فإذا قمتم بما عليكم فالله تعالى يتفضل عليكم ويثيبكم به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

1466- باب ما جَاءَ في الْهَرْجِ والعبادة فيه

بفتح الهاء وسكون الراء قال في النهاية‏:‏ الهرج القتال والاختلاط، وقد هرج الناس يهرجون هرجاً إذا اختلفوا، وأصل الهرج الكثرة في الشيء والاتساع‏.‏ وفي القاموس‏:‏ هرج الناس يهرجون وقعوا في فتنة واختلاط وقتل انتهى

2231- حَدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن شَقِيق بن سلمة عن أبي مُوسَى قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيّاماً يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، قالوا‏:‏ يا رسولَ الله، ما الْهَرْجُ‏؟‏ قال‏:‏ الْقَتْلُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وَخَالِدِ بنِ الوليد وَمَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2232- حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن المُعَلّى بنِ زِيَادٍ رَدّهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بنِ قُرّةَ، رَدّهُ إِلَى مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ، رَدّهُ إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏الْعِبَادَةُ في الْهَرْجِ كَالهِجْرَةٍ إِلَيّ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ، إِنما نعرفُه من حديثِ حماد بن زيد عن المُعَلّى بنِ زِيَادٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن شقيق‏)‏ هو ابن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم مات في خلافة عمر بن عبد العزيز‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن من ورائكم أياماً‏)‏ وفي رواية البخاري في الفتن‏:‏ إن بين يدي الساعة أياماً ‏(‏يرفع فيها العلم‏)‏ زاد البخاري‏:‏ وينزل فيها الجهل‏.‏

قال الحافظ‏:‏ معناه أن العلم يرتفع بموت العلماء، فكلما مات عالم ينقص العلم بالنسبة إلى فقد حامله، وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء ‏(‏ويكثر فيها الهرج، قالوا يا رسول الله ما الهرج‏؟‏ قال القتل‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد‏:‏ أن رجلاً قال له يا أبا سليمان اتق الله فإن الفتن قد ظهرت، فقال أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكون بعده فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وخالد بن الوليد ومعقل بن يسار‏)‏ أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري في الأدب وفي الفتن، ومسلم في العلم، وأبو داود وابن ماجة في الفتن‏.‏ وأما حديث خالد بن الوليد فأخرجه أحمد والطبراني في الكبير‏.‏ وأما حديث معقل بن يسار فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري في الفتن، ومسلم في العلم وابن ماجة في الفتن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن المعلى بن زياد‏)‏ القردوسي بضم القاف أبي الحسن البصري صدوق قليل الحديث زاهد، اختلف قول ابن معين فيه من السابعة ‏(‏فرده‏)‏ وفي بعض النسخ رده بغير الفاء أي رفعه ‏(‏إلى معقل بن يسار‏)‏ المزني صحابي ممن بايع الشجرة وكنيته أبو علي على المشهور وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة، كذا في التقريب وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ هو الذي فجر نهر معقل بالبصرة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏العبادة في الهرج‏)‏ أي الفتنة واختلاط أمور الناس ‏(‏كهجرة إليّ‏)‏ قال النووي‏:‏ وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجة‏.‏

1467- باب ما جاء في اتخاذ سيف من خشب في الفتنة

كناية عن ترك القتال

2233- حَدّثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي أَسْمَاءَ عن ثوْبَانَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا وُضِعَ السّيْفُ في أُمّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2234- حَدّثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسماعيلُ بنُ إِبراهيمَ عن عبدِ الله بنِ عُبَيْدٍ عن عُدَيْسَةَ بِنْتِ أُهْبَانَ بنِ صَيْفَي الْغِفَارِيّ قالت‏:‏ ‏"‏جَاءَ عَلِيّ بنُ أبي طَالِبٍ إِلَى أَبِي فَدَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فقال له أَبِي‏:‏ إِنّ خَلِيلِي وابنَ عَمّكَ عَهِدَ إِلَيّ إِذَا اخْتَلَفَ النّاسُ أَنْ أَتّخِذَ سَيْفاً مِنْ خَشَبٍ فَقَدِ اتّخَذْتُهُ فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ بِهِ مَعَكَ، قالت فَتَركَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن محمّدِ بنِ مَسْلَمَةَ‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفُه إلا من حديثِ عبدِ الله بْنِ عُبْيْدٍ‏.‏

2235- حدّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ، أخبرنا سَهْلُ بنُ حَمّادٍ، حدثنا هَمّامُ، أخبرنا محمّدُ بنُ جُحَادَةَ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ ثَرْوَانَ عن هُزَيْلِ بنِ شُرَحْبِيلَ عن أبي مُوسَى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال في الْفِتْنَةِ‏:‏ ‏"‏كَسّرُوا فِيهَا قِسِيّكُمْ، وَقَطّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ، وكُونُوا كَابْنِ آدَمَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيح‏.‏

وعبدُ الرحمَنِ بنُ ثَرْوَانَ هُوَ أبو قَيْسٍ الأَوْدِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي أسماء‏)‏ هو الرحبي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا وضع‏)‏ بالبناء للمفعول ‏(‏السيف‏)‏ أي المقاتلة به، والمراد وقع القتال بسيف أو غيره كرمح ونار ومنجنيق وخص السيف بغلبة القتال به ‏(‏في أمتي‏)‏ أمة الإجابة ‏(‏لم يرفع عنها إلى يوم القيامة‏)‏ أي يبقى إلى يوم القيامة إن لم يكن في بلد يكون في آخر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود مطولاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله بن عبيد‏)‏ الحميري البصري المؤذن ثقة من السابعة ‏(‏عن عديسة‏)‏ بضم العين وفتح الدال المهملتين مصغراً ‏(‏بنت أهبان‏)‏ بضم الهمزة وسكون الهاء ‏(‏بن صيفي‏)‏ بفتح الصاد المهملة وتحتانية ساكنة وفاء ‏(‏الغفاري‏)‏ بمكسورة وخفة فاء، قال في التقريب هي مقبولة من الثالثة ‏(‏إلى أبي‏)‏ أي أهبان وهو صحابي يكني أبا مسلم مات بالبصرة ‏(‏فدعاه إلى الخروج معه‏)‏ أي للقتال ‏(‏إن خليلي وابن عمك‏)‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏عهد إلي‏)‏ أي أوصاني‏.‏ قال في القاموس عهد إليه أوصاه ‏(‏أن أتخذ‏)‏ مفعول لقوله عهد ‏(‏سيفاً من خشب‏)‏ المراد باتخاذ السيف من الخشب الامتناع عن القتال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن محمد بن مسلمة‏)‏ أخرجه أحمد في مسنده ص 225 ج4‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد في مسنده ص 69 ج5‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن‏)‏ هو الإمام الدارمي ‏(‏اخبرنا سهل بن حماد‏)‏ أبو عتاب الدلال البصري صدوق من التاسعة ‏(‏أخبرنا همام‏)‏ بن يحيى بن دينار العوذي أبو عبد الله ويقال أبو بكر البصري ثقة، ربما وهم من السابعة ‏(‏عن عبد الرحمن بن ثروان‏)‏ بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة، كنيته أبو قيس الأودي الكوفي، صدوق ربما خالف من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال في الفتنة‏)‏ أي في أيامها وزمنها، وهو ظرف لقوله‏:‏ ‏(‏كسروا فيها قسيكم‏)‏ بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة، لأن باب التفعيل للتكثير وكذا قوله‏:‏ ‏(‏وقطعوا‏)‏ أمر من التقطيع ‏(‏فيها أوتاركم‏)‏ جمع الوتر بفتحتين وهي بالفارسية زه يعني جله كمان وفيه زيادة من المبالغة، إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسي‏.‏ أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير ولا يستعملها في دون الخير ‏(‏والزموا فيها أجواف بيوتكم‏)‏ أي كونوا ملازميها لئلا تقعوا في الفتنة والمحاربين فيها ‏(‏وكونوا كابن آدم‏)‏ وهو هابيل حين استسلم للقتل، وقال لأخيه قابيل ‏"‏لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين‏.‏ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك‏"‏ الاَية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة‏.‏

1468- باب ما جَاءَ في أَشْرَاطِ السّاعَة

أي علاماتها ففي النهاية‏:‏ الأشراط العلامات واحدتها شرط بالتحريك، وبه سميت شرط السلطان لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، هكذا قال أبو عبيد انتهى

2236- حَدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنّه قال‏:‏ أُحَدّثُكُمْ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا يُحَدّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي أَنّهُ سَمِعَهُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِنّ مِنْ أَشْرَاطِ السّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَفْشُوَ الزّنَا وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَتَكَثُرَ النّسَاءُ وَيَقِلّ الرّجَالُ حَتّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيّمٌ وَاحِدٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي مُوسَى وأبي هُرَيْرَةَ‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2237- حَدّثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عن الزّبَيْرِ بنِ عَدِيّ قال‏:‏ ‏"‏دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجّاجِ، فقال‏:‏ مَا مِنْ عَامٍ إِلاّ وَالّذِي بَعْدَهُ شَرّ مِنْهُ حَتّى تَلْقَوْا رَبّكُمْ‏"‏‏.‏ سَمِعْتُ هَذَا مَنْ نَبِيّكُمْ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏

2238- حدّثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا ابنُ أبي عَدِيّ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقَالَ في الأَرْضِ الله الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

- 2239- حدّثنا محمّدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ نحْوَهُ ولم يَرْفَعْهُ‏.‏ وهذا أَصَحّ مِنَ الحديثِ الأوّلِ‏.‏

2240- حَدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا عبدُ الْعَزِيزِ بنُ محمّدٍ عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو، قال‏:‏ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو، عن عبدِ الله وهو ابنُ عبدِ الرحمَنِ الأنْصَارِيّ الأشْهَلِيّ عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَكُونَ أَسْعَدَ النّاسِ بالدّنْيَا لُكَعُ بنُ لُكَعَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ إنما نَعْرِفُه من حديثِ عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو‏.‏

2241- حَدّثنا وَاصِلُ بنُ عبدِ الأعْلَى الكوفي، حدثنا محمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن أَبِيهِ عن أبي حازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلاَذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الاْسْطُوَانِ مِنَ الذّهَبِ وَالفْضّةِ، قالَ‏:‏ فَيَجِيءُ السّارِقُ فَيَقُولُ في مثل هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ويَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ في هَذَا قُتِلْتُ، ويَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ في هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، ثُمّ يَدَعُونَهُ فَلاَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريبٌ لا نعرفُه إلا من هذا الْوَجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يحدثكم أحد بعدي أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال الحافظ‏:‏ عرف أنس أنه لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره‏.‏ لأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فلعل الخطاب بذلك كان لأهل البصرة أو كان عاماً، وكان تحديثه بذلك في آخر عمره لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم إلا النادر، ممن لم يكن هذا المتن من مرويه انتهى ‏(‏أن يرفع العلم‏)‏ هو في محل النصب لأنه اسم أن والمراد برفعه موت حملته‏.‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ أن يقل العلم‏.‏ قال الحافظ يحتمل‏:‏ أن يكون بقلّته أول العلامة، وبرفعه آخرها، أو أطلقت القلة وأريد بها العدم، كما يطلق العدم، ويرادبه القلة وهذا أليق لاتحاد المخرج انتهى‏.‏ ‏(‏ويفشو الزنا‏)‏ بالقصر على لغة أهل الحجاز وبها جاء التنزيل وبالمد لأهل نجد والنسبة إلى الأول زنوي، وإلى الاَخر زناوي ‏(‏يشرب الخمر‏)‏ بضم أوله وفتح الموحدة على العطف والمراد كثرة ذلك واشتهاره ‏(‏ويكثر النساء‏)‏ قيل سببه أن الفتن تكثر فيكثر القتل في الرجال لأنهم أهل الحرب دون النساء‏.‏ وقال ابن عبد الملك‏:‏ هو إشارة إلى كثرة الفتوح فتكثر السبايا فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوءات‏.‏

قال الحافظ‏:‏ فيه نظر لأنه صرح بالعلة في حديث أبي موسى الاَتي يعني في الزكاة عند البخاري‏:‏ فقال من قلة الرجال وكثرة النساء‏.‏ والظاهر أنها علامة محضة لا بسبب آخر بل يقدر الله في آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث وكون كثرة النساء من العلامات مناسب لظهور الجهل ورفع العلم انتهى‏.‏ ‏(‏ويقل‏)‏ بكسر القاف من القلة ‏(‏لخمسين‏)‏ يحتمل أن يراد به حقيقة هذا العدد أو يكون مجازاً عن الكثرة، ويؤيده أن في حديث أبي موسى‏.‏ ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة ‏(‏قيم واحد‏)‏ بالرفع صفة لقيم، أي من يقوم بأمرهن واللام للعهد إشعاراً بما هو معهود من كون الرجال قوامين على النساء، وكأن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر لكونها مشعرة باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي الدين لأن رفع العلم يخل به، والعقل لأن شرب الخمر يخل به، والنسب لأن الزنا يخل به، والنفس والمال لأن كثرة الفتن تخل بهما‏.‏ قال الكرماني‏:‏ وإنما كان اختلال هذه الأمور مؤذناً بخراب العالم، لأن الخلق لا يتركون هملاً ولا نبي بعد نبينا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيتعين ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي موسى وأبي هريرة‏)‏ أما حديث أبي موسى فأخرجه أحمد والشيخان، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الزبير بن عدي‏)‏ الهمداني اليامي بالتحتانية كنيته أبو عدى الكوفي ولي قضاء الري ثقة من الخامسة‏.‏ وقال في الفتح وهو من صغار التابعين وليس له في البخاري سوى هذا الحديث يعني حديث الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من الحجاج‏)‏ أي ابن يوسف الثقفي الأمير المشهور، والمراد شكواهم ما يلقون من ظلمه لهم وتعديه، قد ذكر الزبير في الموفقيات من طريق مجالد عن الشعبي‏.‏ قال كان عمر فمي بعده إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس ونزعوا عمامته، فلما كان زياد ضرب في الجنايات بالسياط، ثم زاد مصعب بن الزبير حلق اللحية، فلما كان بشر بن مروان سمر كف الجاني بمسمار، فلما قدم الحجاج قال هذا كله لعب، فقتل بالسيف، كذا في الفتح ‏(‏فقال ما من عام إلا والذي بعده شر منه‏)‏‏.‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ فقال اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه ‏(‏حتى تلقوا ربكم‏)‏ أي حتى تموتوا‏.‏ وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث آخر‏:‏ واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال ابن بطال هذا الخبر من أعلام النبوة، لأخباره صلى الله عليه وسلم بفساد الأحوال وذلك من الغيب الذي لا يعلم بالرأي وإنما يعلم بالوحي انتهى‏.‏ وقد استشكل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، بل لو قيل إن شر اضمحل في زمانه لما كان بعيداً‏.‏ فضلاً عن أن يكون شراً من الزمن الذي قبله‏.‏ وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج، فقال لا بد للناس من تنفيس‏.‏ وأجاب بعضهم‏:‏ أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز اتفرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني‏.‏ وهو في الصحيحين‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ثم وجدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول‏:‏ لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علماً من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون‏.‏ ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال‏:‏ لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر مما كان قبله، أما أني لا أعني أميراً خيراً من أمير، ولا عاماً خيراً من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاء، ويجيء قوم يفتون برأيهم‏.‏ وفي لفظ عنه من هذا الوجه‏:‏ وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها، ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه‏.‏ واستشكلوا أيضاً زمان عيسى بن مريم بعد زمان الدجال، وأجاب الكرماني بأن المراد الزمان الذي يكون بعد عيسى، والمراد جنس الزمان الذي فيه الأمراء، وإلا فمعلوم من الدين بالضرورة أن زمان النبي المعصوم لا شر فيه‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده‏.‏ ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال، وأما زمن عيسى عليه السلام فله حكم مستأنف، ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة، بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك، فيختص بهم، فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور لكن الصحابي فهم التعميم، فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر أو جلهم من التابعين، انتهى ما في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح وأخرجه البخاري في الفتن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا ابن أبي عدي‏)‏ اسمه محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، ويقال إن كنيته إبراهيم أبو عدي السلمى مولاهم القسمي، أنزل فيهم أبو عمرو البصري، ثقة من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله‏)‏ بالرفع فيهما وكرر للتأكيد‏.‏ قال النووي‏:‏ معنى الحديث أن القيامة إنما تقوم على شرار الخلق كما جاء في الرواية الأخرى، يعني حديث عبد الله بن مسعود عند مسلم‏.‏ وتأتي الريح من قبل اليمن فتقبض أرواح المؤمنين عند قرب الساعة انتهى‏.‏ وقال الطيبي معنى ‏"‏حتى لا يقال‏"‏ حتى لا يذكر اسم الله ولا يعبد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا أصح من الحديث الأول‏)‏ لأن خالد بن الحارث أوثق من ابن أبي عدي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمرو بن أبي عمرو‏)‏ اسمه ميسرة، مولى المطلب المدني أبو عثمان، ثقة، ربما وهم من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى يكون أسعد الناس‏)‏ بنصب أسعد ويرفع أي أكثرهم مالاً وأطيبهم عيشاً وأرفعهم منصباً وأنفذهم حكماً ‏(‏بالدنيا‏)‏ أي بأمورها أو فيها ‏(‏لكع بن لكع‏)‏ بضم اللام وفتح الكاف غير مصروف أي لئيم بن لئيم، أي رديء النسب، دنيء الحسب‏.‏ وقيل أراد به من لا يعرف له أصل، ولا يحمد له خلق، قاله القاري‏.‏ وقال في النهاية‏:‏ اللكع عند العرب العبد ثم استعمل في الحمق والذم، يقال للرجل لكع وللمرأة لكاع، وقد لكع الرجل يلكع لكعاً فهو ألكع‏.‏ وأكثر ما يقع في النداء وهو اللئيم، وقيل الوسخ، وقد يطلق على الصغير، ومنه الحديث‏:‏ إنه عليه السلام جاء يطلب الحسن بن علي قال أثم لكع‏؟‏ فإن أطلق على الكبير أريد به الصغير العلم والعقل‏.‏ ومنه حديث الحسن قال لرجل‏:‏ يالكع‏.‏ يريد يا صغيراً في العلم والعقل انتهى‏.‏ وحذف ألف ابن لإجراء اللفظين مجرى علمين لشخصين خسيسين لئيمين‏.‏ قال ابن الملك رحمه الله‏:‏ في بعض النسخ يعني من المشكاة بنصب أسعد على أنه خبر يكون وفي بعضها برفعه على أن الضمير في يكون للشأن‏.‏ والجملة بعده تفسير للضمير المذكور انتهى‏.‏ ولا يجوز أن يكون أسعد اسماً ولكع بنصب على الخبرية لفساد المعنى كما لا يخفى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد والبيهقي في دلائل النبوة والضياء المقدسي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تقيء الأرض‏)‏ مضارع من القيء أي تلقي الأرض ‏(‏أفلاذ كبدها‏)‏ قال القاري بفتح الهمزة جمع الفلذة وهي القطعة المقطوعة طولاً وسمي ما في الأرض كبداً تشبيهاً بالكبد التي في بطن البعير لأنها أحب ما هو مخبأ فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور وأحبه إلى العرب‏.‏ وإنما قلنا في بطن البعير لأن ابن الأعرابي قال الفلذة لا تكون إلا للبعير‏.‏ فالمعنى تظهر كنوزها وتخرجها من بطونها إلى ظهورها انتهى‏.‏ ‏(‏أمثال الأسطوان‏)‏ بضم الهمزة والطاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏من الذهب والفضة‏)‏ لبيان مجمل الحال‏.‏ قال القاضي رحمه الله‏:‏ معناه أن الأرض تلقي من بطنها ما فيه من الكنوز وقيل ما وسخ فيها من العروق المعدنية، ويدل عليه قوله أمثال الأسطوانة‏.‏ وشبهها بأفلاذ الكبد هيئة وشكلاً فإنها قطع الكبد المقطوعة طولاً ‏(‏قطعت يدي‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏ويجيء القاتل‏)‏ أي قاتل النفس ‏(‏في هذا‏)‏ أي في طلب هذا الغرض لأجل تحصيل هذا المقصود ‏(‏قتلت‏)‏ أي من قتلت من الأنفس ‏(‏ويجيء القاطع‏)‏ أي قاطع الرحم ‏(‏ثم يدعونه‏)‏ بفتح الدال أي يتركون ما قاءته الأرض من الكنز أو المعدن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

1469- باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف

2242- حَدّثنا صَالحُ بنُ عبدِ الله الترمذي، حدثنا الْفَرَجُ بت فَضَالَةَ أبو فَضَالَةَ الشّامِيّ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن محمّدِ بنِ عُمَرَ بنِ عَلِيّ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِذَا فَعَلَتْ أُمّتِي خَمْسَ عَشَرَةَ خَصْلَةً حَلّ بِهَا الْبَلاَءُ‏.‏ قِيلَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ الله‏؟‏ قَالَ‏:‏ إِذَا كَانَ المَغْنَمُ دُوَلاً، وَالأمَانَةُ مَغْنَماً، وَالزكَاةُ مَغْرَماً، وَأَطَاعَ الرّجُلُ زَوْجَتَهُ وَعَقّ أُمّهُ، وَبَرّ صَدِيقَةُ وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ فِي المَساجدِ، وكانَ زَعِيمُ القَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرّجُلُ مَخَافَةَ شَرّهِ، وَشُرِبَتِ الْخُمورُ وَلُبِسَ الْحَرِيرُ، وَاتّخِذَت القِيانُ وَالمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمّةِ أَوّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عَنْدَ ذَلِكَ رِيحاً حَمْرَاءَ، أَوْ خَسْفاً وَمَسْخاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بن أبدي طالبٍ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَلاَ نَعْلَمُ أَحَداً رواه عن يَحيَى بنِ سَعِيدٍ الأنْصَارِيّ غَيْرَ الفَرَجِ بنِ فَضَالَةَ والفرج بن فضالة‏.‏ قَدْ تَكلّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَضَعّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ‏.‏ وَقَدْ رواه عَنْهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمةِ‏.‏

2243- حدّثنا عَلِيّ بنُ حُجرٍ، حدثنا أخبرنا محمّدُ بنُ يزِيدَ الواسطي، عن المُسْتَلِمِ بنِ سَعِيدٍ عَنْ رُمَيْحٍ الْجُذَامِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِذَا اتّخِذَ الفَيْءُ دُوَلاً، وَالأمَانَةُ مَغْنَمَا، وَالزّكَاةُ، مَغْرَماً، وَتُعُلّمَ لِغَيْرِ الدّينِ، وَأَطَاعَ الرّجُلُ امرأَتَهُ، وَعَقّ أُمّهُ وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرَتِ الأصْوَاتُ في المَسَاجِدِ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرّجُلُ مَخَافَةَ شَرّهِ، وَظَهَرَتْ القَيْنَاتُ وَالمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمّةِ أَوّلَهَا فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحاً حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفاً ومَسْخاً وَقَذْفاً، وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ بَالٍ قُطعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عَنْ عَلِيّ‏.‏ وهذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ‏.‏

2244- حدّثنا عَبّادُ بنُ يَعْقُوبَ الكُوفِيّ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ القُدّوسِ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ فِي هَذِهِ الأُمّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمينَ‏:‏ يَا رَسُولَ الله وَمَتَى ذَاكَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ إِذَا ظَهَرَت الْقِيَانُ وَالمَعَازِفُ وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وقد رُوِيَ هَذا الْحَدِيثُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ سَابِطٍ عَنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلٌ وهذا حديثٌ غَرِيبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الفرج بن فضالة أبو فضالة الشامي‏)‏ التنوخي ضعيف من الثامنة ‏(‏عن محمد بن عمر بن علي‏)‏ قال في التقريب‏:‏ محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، صدوق من السادسة وروايته عن جده مرسلة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خصلة‏)‏ بالفتح أي خلة ‏(‏حل‏)‏ أي نزل أو وجب ‏(‏إذا كان المغنم‏)‏ أي الغنيمة ‏(‏دولا‏)‏ بكسر الدال وفتح الواو ويضم أوله جمع دولة بالضم والفتح وهو ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم‏.‏ قال التوربشتي‏:‏ أي إذا كان الأغنياء وأصحاب المناصب يستأثرون بحقوق الفقراء أو يكون المراد منه أن أموال الفقء تؤخذ غلبة وأثرة صنيع أهل الجاهلية وذوي العدوان ‏(‏والأمانة مغنماً‏)‏ أي بأن يذهب الناس بودائع بعضهم وأماناتهم، فيتخذونها كالمغانم يغنمونها ‏(‏والزكاة مغرماً‏)‏ أي بأن يشق عليهم أداؤها بحيث يعدون إخراجها غرامة ‏(‏وأطاع الرجل زوجته‏)‏ أي فيما تأمره وتهواه مخالفاً لأمر الله ‏(‏وعق أمه‏)‏ أي خالفها فيما تأمره وتنهاه ‏(‏وبر صديقه‏)‏ أي احسن إليه وأدناه وحباه ‏(‏وجفا أباه‏)‏ أي أبعده وأقصاه‏.‏ وفي حديث أبي هريرة الاَتي‏:‏ وأدنى صديقه وأقصى أباه‏.‏ قال ابن الملك‏:‏ خص عقوق الأم بالذكر وإن كان عقوق كل واحد من الأبوين معدوداً من الكبائر لتأكد حقها، أو لكون قوله‏:‏ وأقصى أباه بمنزلة وعق أباه فيكون عقوقهما مذكوراً ‏(‏وارتفعت الأصوات‏)‏ أي علت أصوات الناس ‏(‏في المساجد‏)‏ بنحو الخصومات والمبايعات واللهو واللعب‏.‏ قال القاري وهذا مما كثر في هذا الزمان، وقد نص بعض علمائنا يعني العلماء الحنفية، بأن رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر حرام انتهى‏.‏ ‏(‏وكان زعيم القوم‏)‏ أي المتكفل بأمرهم‏.‏ قال في القاموس‏:‏ الزعيم الكفيل وسيد القوم ورئيسهم والمتكلم عنهم انتهى‏.‏ ‏(‏أرذلهم‏)‏ في القاموس‏:‏ الرذال والرذل والرذيل والأرذل‏:‏ الدون الخسيس أو الرديء من كل شيء ‏(‏وأكرم الرجل‏)‏ بالبناء للمفعول أي عظم الناس الإنسان ‏(‏مخافة شره‏)‏ أي خشية من تعدي شره إليهم ‏(‏وشربت‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏الخمور‏)‏ جميعها لاختلاف أنواعها، إذ كل مسكر خمر أي أكثر الناس من شربها أو تجاهروا به ‏(‏ولبس الحرير‏)‏ أي لبسه الرجال بلا ضرورة ‏(‏واتخذت القيان‏)‏ أي الإماء المغنيات جمع القينة ‏(‏المعازف‏)‏ بفتح الميم وكسر الزاي وهي الدفوف وغيرها مما يضرب كذا في النهاية‏.‏ وقال في القاموس‏:‏ المعازف الملاهي كالعود والطنبور الواحد عزف أو معزف كمنبر ومكنسة انتهى‏.‏ ‏(‏ولعن آخر هذه الأمة أولها‏)‏ أي اشتغل الخلف بالطعن في السلف الصالحين والأئمة المهديين‏.‏ قال الطيبي أي طعن الخلف في السلف وذكروهم بالسوء ولم يقتدوا بهم في الأعمال الصالحة فكأنه لعنهم‏.‏ قال القاري‏:‏ إذا كانت الحقيقة متحققة فما المحوج إلى العدول عنها إلى المعنى المجازي‏؟‏ وقد كثرت كثرة لا تخفى في العالم‏.‏ قال وقد ظهرت طائفة لاعنة ملعونة إما كافرة أو مجنونة، حيث لم يكتفوا باللعن والطعن في حقهم بل نسبوهم إلى الكفر بمجرد أوهامهم الفاسدة وأفهامهم الكاسدة، من أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم أخذوا الخلافة وهي حق علي بغير حق‏.‏ والحال أن هذا باطل بالإجماع سلفاً وخلفاً ولا اعتبار بإنكار المنكرين‏.‏ وأي دليل لهم من الكتاب والسنة يكون نصاً على خلافة علي انتهى‏.‏ ‏(‏فليرتقبوا‏)‏ جواب إذا أي فلينتظروا ‏(‏عند ذلك‏)‏ أي عند وجود ما ذكر ‏(‏ريحاً حمراء‏)‏ أي حدوث هبوب ريح حمراء ‏(‏وخسفاً‏)‏ أي ذهاباً في الأرض وغوراً بهم فيها ‏(‏أو مسخاً‏)‏ أي قلب خلقة من صورة إلى أخرى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث وضعفه من قبل حفظه‏)‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته‏:‏ قال أبو داود عن أحمد إذا حدث عن شاميين فليس به بأس ولكنه حدث عن يحيى بن سعيد مناكير‏:‏ وقال أيضاً عنه يحدث عن ثقات أحاديث مناكير انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وفي الحديث انقطاع، لأن رواية محمد بن عمر بن علي عن جده علي، مرسلة كما عرفت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن يزيد‏)‏ الكلاعي مولى خولان الواسطي ثقة ثبت عابد من كبار التاسعة ‏(‏عن المستلم بن سعيد‏)‏ الثقفي الواسطي، صدوق عابد ربما وهم من التاسعة ‏(‏عن رميح‏)‏ بضم الراء المهملة آخره حاء مهملة مصغراً ‏(‏الجذامي‏)‏ بضم الجيم نسبة إلى جذام قبيلة من اليمن كذا في لب اللباب‏.‏ وفي الخلاصة الحزامي بكسر المهملة‏.‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب‏:‏ روى عن أبي هريرة حديث‏:‏ إذا اتخذ الفيء دولاً‏.‏ وعنه مستلم بن سعيد أخرجه الترمذي واستغربه‏.‏ قال وقال ابن القطان‏:‏ رميح لا يعرف انتهى‏.‏ وقال في التقريب مجهول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذ اتخذ‏)‏ بصيغة المجهول أي إذا أخذ ‏(‏الفيء‏)‏ أي الغنيمة ‏(‏وتعلم‏)‏ بصيغة المجهول من باب التفعل ‏(‏لغير الدين‏)‏ أي يتعلمون العلم لطلب المال والجاه لا للدين ونشر الأحكام بين المسلمين لإظهار دين الله ‏(‏وأدنى صديقه‏)‏ أي قربه إلى نفسه للمؤانسة والمجالسة ‏(‏وأقصى أباه‏)‏ أي أبعده ولم يستصحبه ولم يستأنس به ‏(‏وظهرت الأصوات‏)‏ أي ارتفعت ‏(‏وساد القبيلة‏)‏ وفي معناه البلد والمحلة أي صار سيدهم ‏(‏وظهرت القينات‏)‏ بفتح القاف وسكون التحتية أي الإماء المغنيات ‏(‏وزلزلة‏)‏ أي حركة عظيمة للأرض ‏(‏وقذفاً‏)‏ أي رمي حجارة من السماء ‏(‏وآيات‏)‏ أي علامات أخر لدنو القيامة وقرب الساعة ‏(‏تتابع‏)‏ بحذف إحدى التائين أي يتبع بعضها بعضاً ‏(‏كنظام‏)‏ بكسر النون أي عقد من نحو جوهر وخرز ‏(‏بال‏)‏ أي خلق ‏(‏قطع سلكه‏)‏ بكسر السين أي انقطع خيطه ‏(‏فتتابع‏)‏ أي ما فيه من الخرز، وهو فعل ماض بخلاف الماضي فإنه حال أو استقبال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وفي سنده رميح الجذامي وهو مجهول كما عرفت وروى أحمد والحاكم عن ابن عمر مرفوعاً الاَيات خرزات منظومات في سلك فانقطع السلك فيتبع بعضها بعضاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الله بن عبد القدوس‏)‏ التميمي السعدي الكوفي صدوق، رمي بالرفض وكان أيضاً يخطئ من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في هذه الأمة‏)‏ أي يكون في هذه الأمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث غريب‏)‏ ذكره المنذري في الترغيب وسكت عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الرحمن بن سابط‏)‏ قال في التقريب‏:‏ ويقال ابن عبد الله بن سابط وهو الصحيح، ويقال ابن عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي المكي، ثقة كثير الإرسال من الثالثة‏.‏

1470- باب ما جَاءَ في قَوْلِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم بُعِثْتُ أَنَا والسّاعَةَ كَهَاتَيْنِ يعني السّبابة والوسطى

2245- حَدّثنا محمدُ بنُ عُمَر بنِ هَيّاجٍ الأسَدِيّ الكُوفِيّ، حدثنا يَحْيىَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الأرْحَبِيّ، أخبرنا عُبَيْدَةُ بنُ الأسْوَدِ، عن مُجَالِدٍ عن قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ، عن المُسْتَوْرِدِ بنِ شدّادٍ الفِهْرِيّ، روى عن النبِيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏بُعِثْتُ أَنَا فِي نَفَسِ السّاعَةِ فَسَبَقْتُها كما سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ لإصْبَعَيْهِ السّبّابَةِ وَالْوُسْطى‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريب من حَدِيثِ المستوْرِدِ بن شدّادٍ، لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوجهِ‏.‏

2246- حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلان، حدثنا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ قال‏:‏ قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏بُعِثْتُ أَنَا والسّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- وأَشارَ أَبُو دَاوُدَ بالسّبّابَةِ وَالْوُسْطَى- فمَا فَضْلُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن عمر بن هياج الأسدي الكوفي‏)‏ صدوق من الحادية عشرة ‏(‏حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي‏)‏ الكوفي، صدوق، ربما أخطأ من التاسعة ‏(‏أخبرنا عبيدة بن الأسود‏)‏ بن سعيد الهمداني الكوفي، صدوق، ربما دلس من الثامنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بعثت أنا في نفس الساعة‏)‏ بفتح النون والفاء لا غير أراد به قربها أي حين تنفست تنفسها ظهور أشراطها، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والصبح إذا تنفس‏}‏ أي ظهرت آثار طلوعه‏.‏ وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم من أول أشراطها‏.‏ هذا معنى كلام التوربشتي كذا في المرقاة‏.‏ وكذا قال غيره ‏(‏فسبقتها‏)‏ أي الساعة في الوجود ‏(‏كما سبقت هذه‏)‏ أي السبابة ‏(‏هذه‏)‏ أي الوسطى أي وجود أو حساباً باعتبار الابتداء من جانب الإبهام، وعدل عن الإبهام لطول الفصل بينه والمسبحة ‏(‏لأصبعيه السبابة والوسطى‏)‏ في المشكاة وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه الطبري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بعثت أنا والساعة‏)‏ قال أبو البقاء العكبري في إعراب المسند الساعة بالنصب والواو فيه بمعنى مع قال ولو قرئ بالرفع لفسد المعنى، لأنه لا يقال بعثت الساعة ولا هو في موضع المرفوع لأنها لم توجد بعد وأجاز غيره الوجهين بل جزم عياض بأن الرفع أحسن وهو عطف على ضمير المجهول في بعثت، قال‏:‏ ويجوز النصب وذكر نحو توجيه أبي البقاء وزاد أو على ضمير يدل عليه الحال نحو فانتظروا كما قدر في نحو‏:‏ جاء البرد والطيالسة فاستعدوا‏.‏

قال الحافظ‏:‏ والجواب عن الذي اعتل به أبو البقاء أولاً أن يضمن بعثت معنى يجمع إرسال الرسول ومجيء الساعة نحو جئت، وعن الثاني بأنها نزلت منزلة الموجود مبالغة في تحقق مجيئها انتهى ‏(‏كهاتين‏)‏ قال عياض أشار بهذا الحديث إلى قلة المدة بينه وبين الساعة والتفاوت إما في المجاورة وإما في قدر ما بينهما ويعضده قوله كفضل إحداهما على الأخرى، وقال بعضهم هذا الذي يتجه أن يقال ولو كان المراد الأول لقامت الساعة لاتصال إحدى الأصبعين بالأخرى‏.‏ قال ابن التين اختلف في معنى قوله كهاتين فقيل كما بين السبابة والوسطى في الطول‏.‏ وقيل المعنى ليس بينه وبينها نبي وقال القرطبي في المفهم‏:‏ حاصل الحديث تقريب أمر الساعة وسرعة مجيئها‏.‏ قال وعلى رواية النصب يكون التشبيه وقع بالانضمام، وعلى الرفع وقع بالتفاوت‏.‏ وقال البيضاوي معناه أن نسبة تقدم البعثة النبوية على قيام الساعة، كنسبة فضل إحدى الأصبعين على الأخرى‏.‏ وقيل المراد استمرار دعوته لا تفترق إحداهما عن الأخرى، كما أن الأصبعين لا تفترق إحداهما عن الأخرى‏.‏ ورجح الطيبي قول البيضاوي‏.‏ وقال القرطبي في التذكرة‏:‏ معنى هذا الحديث تقريب أمر الساعة ولا منافاة بينه وبين قوله في الحديث الاَخر‏.‏ ما المسؤول عنها بأعلم من السائل فإن المراد بحديث الباب أنه ليس بينه وبين الساعة نبي كما ليس بين السبابة والوسطى أصبع أخرى ولا يلزم من ذلك علم وقتها بعينه لكن سياقه يفيد قربها وأن أشراطها متتابعة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فقد جاء أشراطها‏}‏ قال الضحاك‏:‏ أول أشراطها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظ الغافلين وحثهم على التوبة والاستعداد كذا في الفتح ‏(‏فما فضل إحداهما على الأخرى‏)‏ أي في الطول‏.‏ والمعنى ليس بينهما إلا فضل يسير وزاد مسلم بعد رواية هذا الحديث‏:‏ قال شعبة وسمعت قتادة يقول في قصصه كفضل إحديهما على الأخرى، فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة‏؟‏ قال الحافظ‏:‏ وجدت هذه الزيادة مرفوعة في حديث أبي جبيرة ابن الضحاك عن الطبري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والشيخان‏.‏

1471- باب ما جاءَ في قِتَالِ التّرْك

اختلف في أصل الترك، فقال الخطابي‏:‏ هم بنو قنطوراء أمة كانت لإبراهيم عليه السلام، وقال كراع هم الديلم وتعقب بأنهم جنس من الترك وكذلك الغز، وقال أبو عمر‏:‏ وهم من أولاد يافث وهم أجناس كثيرة، وقال وهب بن منبه هم بنو عم يأجوج ومأجوج لما بن ذو القرنين السد كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين فتركوا لم يدخلوا مع قومهم فسموا الترك‏.‏ وقيل إنهم من نسل تبع‏.‏ وقيل من ولد أفريدون بن سام بن نوح‏.‏ وقيل ابن يافث لصلبه، وقيل ابن كومي بن يافث كذا في الفتح

2247- حَدّثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ المخزومي و عَبْدُ الْجَبّارِ بنُ العَلاءِ، قَالاَ حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُقَاتِلُوا قَوْماً نِعَالُهُمُ الشّعْرُ‏.‏ وَلاَ تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُقَاتِلُوا قَوْماً كَأَنّ وُجُوهَهُمْ المَجَانّ المُطْرَقَةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وبُرَيدَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وعَمْرِو بنِ تَغْلِبَ ومُعَاوِيَةَ‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعبد الجبار بن العلاء‏)‏ بن عبد الجبار العطار البصري أبو بكر نزيل مكة، لا بأس به من صغار العاشرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر‏)‏ بفتحتين وسكون‏.‏ قيل المراد به طول شعورهم حتى تصير أطرافها في أرجلهم موضع النعال‏.‏ وقيل المراد أن فعالهم من الشعر بأن يجعلوا نعالهم من شعر مضفور‏.‏ ووقع في رواية مسلم من طريق سهيل عن أبيه عن أبي هريرة‏:‏ لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر‏.‏ وزعم ابن دحية أن المراد به القندس الذي يلبسونه في الشرابيش، قال وهو جلد كلب الماء ذكره الحافظ‏.‏ قلت والظاهر هو القول الثاني يدل على ذلك رواية مسلم المذكورة ‏(‏كأن وجوههم المجان‏)‏ بفتح الميم وتشديد النون جمع المجن بكسر الميم‏:‏ وهو الترس ‏(‏المطرقة‏)‏ بضم الميم وفتح الراء المخففة المجلدة طبقاً فوق طبق‏.‏ وقيل هي ألبست طراقاً أي جلداً يغشاها‏.‏ شبه وجوههم بالترسة لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي بكر الصديق وبريدة وأبي سعيد وعمرو بن تغلب ومعاوية‏)‏ أما حديث أبي بكر فأخرجه الترمذي في باب من أين يخرج الدجال‏.‏ وأما حديث بريدة فأخرجه أبو داود، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن ماجة وأما حديث عمرو بن تغلب فأخرجه البخاري وابن ماجة، وأما حديث معاوية فأخرجه أبو يعلى‏:‏ ذكر الحافظ لفظه في الفتح في علامات النبوة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1472- باب ما جاءَ إِذَا ذَهَبَ كِسرَى فَلاَ كِسْرَى بَعْدَه

بكسر الكاف ويجوز الفتح، وهو لقب لكل من ولي مملكة الفرس‏.‏ قال ابن الأعرابي‏:‏ الكسر أفصح في كسرى، وكان أبو حاتم يختاره، وأنكر الزجاج الكسر على ثعلب واحتج بأن النسبة إليه كسروي بالفتح، ورد عليه ابن فارس بأن النسبة قد يفتح فيها ما هو في الأصل مكسور أو مضموم كما قالوا في بني تغلب بكسر اللام تغلبي بفتحها، وفي سلمة كذلك، فليس فيه حجة على تخطئة الكسر

2248- حَدّثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ حدثنا سُفْيَانُ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلاَ كِسْرى بَعْدَهُ وَإِذا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالّذِي نَفْسِي بِيدِهِ لَتُنْفَقَنّ كنوزُهُما فِي سَبيلِ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

‏(‏وإذا هلك قيصر‏)‏ لقب لكل من ولي مملكة الروم ‏(‏فلا قيصر بعده‏)‏‏.‏ قال الحافظ في شرح هذا الحديث‏:‏ قد استشكل هذا مع بقاء مملكة الفرس لأن آخرهم قتل في زمان عثمان، واستشكل أيضاً مع بقاء مملكة الروم وأجيب عن ذلك بأن المراد لا يبقى كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام وهذا منقول عن الشافعي‏.‏ قال وسبب الحديث أن قريشاً كانوا يأتون الشام والعراق تجاراً، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لدخولهم في الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لهم تطييباً لقلوبهم وتبشيراً لهم بأن ملكهما سيزول عن الإقليمين المذكورين‏.‏ وقيل الحكمة في أن قيصر بقي ملكه وإنما ارتفع من الشام وما والاها وكسرى ذهب ملكه أصلاً ورأساً أن قيصر لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبله وكاد أن يسلم، وكسرى لما أتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق ملكه كل ممزق، فكان كذلك‏.‏ قال الخطاب معناه فلا قيصر بعده يملك مثل ما يملك، وذلك أنه كان بالشام وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا به ولا يملك على الروم أحد إلا كان قد دخله إما سراً وإما جهراً، فانجلى عنها قيصر، واستفتحت خزائنه ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك البلاد بعده انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1473- باب لاَ تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ قِبَلِ الْحِجَاز

2249- حَدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، أخبرنا حُسَيْنُ بنُ مُحمّدٍ البَغْدَادِيّ، حدثنا شَيبَانُ عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ سَالِمِ بنِ عَبدِ الله بن عمر عن أبِيهِ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏سَتَخْرجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَ مَوْتَ أَوْ مِنْ نَحْوِ بَحْرِ حَضَرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ تَحْشُرُ النّاسَ‏.‏ قَالُوا يَا رَسُولَ الله فَمَا تَأْمُرنَا‏؟‏ قَالَ عَلَيْكُمْ بِالشّامِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البَإ عَنْ حُذَيفَةَ بنِ أَسِيدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وأبي ذَرٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا حسين بن محمد البغدادي‏)‏ قال في التقريب‏:‏ الحسين بن محمد ابن بهرام التميمي أبو أحمد وأبو علي المروذي بتشديد الواو وبذال معجمة، نزيل بغداد، ثقة من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا شيبان‏)‏ بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي أبو معاوية البصري نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب، يقال إنه منسوب إلى نحوة بطن من الأزد لا إلى علم النحو من السابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ستخرج نار‏)‏ يحتمل أن يكون حقيقة وهو الظاهر على ما ذكره الجزري، ويحتمل أن يراد بها الفتنة ‏(‏من حضرموت‏)‏ بفتح فسكون ففتحتين فسكون ففتح‏.‏ ففي القاموس‏:‏ حضرموت بضم الميم بلد وقبيلة، ويقال هذا حضرموت، ويضاف فيقال حضرموت بضم الراء، وإن شئت لاتنون الثاني ‏(‏تحشر الناس‏)‏ أي تجمعهم النار وتسوقهم على ما في النهاية ‏(‏فما تأمرنا‏)‏ أي في ذلك الوقت ‏(‏فقال عليكم بالشام‏)‏ أي خذوا طريقها والزموا فريقها‏.‏ فإنها سالمة من وصول النار الحسية أو الحكمية إليها حينئذ لحفظ ملائكة الرحمة إياها والحديث بظاهره لا يطابق الباب فتفكر وتأمل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن حذيفة بن أسيد وأنس وأبي هريرة وأبي ذر‏)‏‏.‏ أما حديث حذيفة ابن أسيد فأخرجه الترمذي في باب الخسف، وأما حديث أنس فأخرجه البخاري عنه مرفوعاً أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان عنه مرفوعاً‏:‏ لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصري، وأما حديث أبي ذر فأخرجه أحمد في مسنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أحمد‏.‏

1474- باب مَا جَاءَ لاَ تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَخْرُجَ كَذّابُون

2250- حَدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرُ عنْ هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ عَنْ أَبي هُرَيْرةَ قَالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَنْبَعِثَ كَذّابُونَ دجّالُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ كُلّهُمْ يَزْعُمُ أَنّهُ رَسُولُ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ وابنِ عُمَرَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2251- حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ عنْ أبي أَسْمَاءَ الرّحبي عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لاَ تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمّتِي بالمُشْرِكِينَ وَحَتّى يَعْبُدُوا الأوْثَان وإِنّهُ سَيَكُونُ فِي أُمّتِي ثَلاَثُونَ كَذّابُونَ كُلّهُمْ يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ وَأَنَا خَاتَمُ النّبِيّينَ لاَ نَبِيّ بَعْدِي‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى ينبعث‏)‏ أي يخرج‏.‏ وفي رواية البخاري حتى يبعث‏.‏

قال الحافظ‏:‏ بضم أوله أي يخرج وليس المراد بالبعث بمعنى الإرسال المقارن للنبوة بل هو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين‏}‏ ‏(‏كذابون دجالون‏)‏ وفي رواية البخاري‏:‏ دجالون كذابون‏.‏

قال الحافظ‏:‏ الدجل التغطية والتمويه، ويطلق على الكذب أيضاً، فعلى هذا فقوله كذابون تأكيد ‏(‏قريب من ثلاثين‏)‏ مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي عددهم قريب وقد وقع في حديث ثوبان الاَتي بعد هذا، وكذا في حديث جابر بن سمرة عند مسلم، وكذا في أحاديث أخرى بالجزم أنهم ثلاثون، ووقع في حديث حذيفة عند أحمد بسند جيد‏:‏ سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة وإني خاتم النبيين لانبي بعدي، وهذا يدل على أن رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر، ويؤيده قوله في حديث الباب قريب من ثلاثين، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبراني‏:‏ لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذاباً وسنده ضعيف، وعند أبي يعلي من حديث أنس نحوه وسنده ضعيف أيضاً، وهو محمول إن ثبت على المبالغة في الكثرة لا على التحديد، وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقاً فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت له شبهة، هذا تلخيص كلام الحافظ‏.‏ وقد ذكر هنا عدة من الكذابين الدجالين وذكر أسماءهم وشيئاً من أحوالهم ‏(‏كلهم يزعم أنه رسول الله‏)‏ هذا ظاهر في أن كلا منهم يدعي النبوة، وهذا هو السر في قوله في آخر الحديث الاَتي‏:‏ وإنّي خاتم النبيين لانبي بعدي‏.‏ ويحتمل أن يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين أو نحوها وأن من زاد على العدد المذكور يكون كذاباً فقط، لكن يدعو إلى الضلالة كغلاة الرافضة والباطنية وأهل الوحدة والحلولية وسائر للفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أن في حديث علي عند أحمد فقال علي لعبد الله بن الكواء‏:‏ وإنك لمتهم وابن الكواء لم يدع النبوة وإنما كان يغلو في الرفض‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سمرة وابن عمر‏)‏ أما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم‏.‏ وأما حديث ابن عمر فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين‏)‏ منها ما وقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم في خلافة الصديق رضي الله عنه ‏(‏الأوثان‏)‏ أي الأصنام ‏(‏وأنه‏)‏ أي الشأن ‏(‏كذابون‏)‏ أي في ادعائهم النبوة ‏(‏وأنا خاتم النبيين‏)‏ بكسر التاء وفتحها والجملة حالية ‏(‏لانبي بعدي‏)‏ تفسير لما قبله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود في الفتن مطولاً‏.‏

1475- باب ما جَاءَ في ثَقيفٍ كَذّابٌ ومُبِير

2252- حَدّثنا عَلِيّ بنُ حُجرِ، حدثنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى عَن شَريك بن عبد الله عَنْ عَبْدِ الله بن عُصْمٍ، عَنْ ابنِ عُمرَ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏في ثَقِيفٍ كذّابٌ ومُبِيرٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عَن أَسْمَاءَ بنتِ أبي بَكْرٍ‏.‏

2253- حدّثنا عَبْدُ الرّحمَنِ بنُ واقِدٍ حدثنا شَرِيكٌ نَحْوَهُ بهذا الاسناد وهذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ‏.‏ مِنْ حديث ابنِ عُمرَ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ‏.‏ وَشَريكٌ يَقُولُ‏:‏ عَبْدُ الله بنُ عُصْمٍ، وإِسْرَائيلُ يَقُولُ‏:‏ عَبْدُ الله بنُ عُصْمَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ يُقَالُ الكَذّابُ المُخْتَارُ بنُ أبي عُبَيدٍ، والمبِيرُ الْحَجّاجُ بنُ يُوسُفَ‏.‏

2254- حدّثنا أبو دَاوُدَ سُلَيْمانُ بنُ سَلْمٍ البَلْخيّ، أخبرنا النّضْرُ بنُ شُمَيلٍ عَنْ هِشَامِ بنِ حَسّانَ قَالَ‏:‏ أحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجّاجُ صَبْرًا فَبَلَغَ مَائَةَ أَلْفٍ وعِشْرينَ أَلْفَ قَتِيلٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله بن عصم‏)‏ بضم العين وسكون الصاد المهملتين، ويقال عصمة بفتح فسكون كنيته أبو علوان بضم المهملة وسكون اللام، الحنفي اليمامي، نزل الكوفة، صدوق يخطئ، أفرط ابن حبان فيه وتناقض‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في ثقيف‏)‏ قال في القاموس‏:‏ ثقيف كأمير أبو قبيلة من هوازن واسمه قسي بن منبه بن بكر بن هوازن والنسبة ثقفي محركة انتهى ‏(‏كذاب‏)‏ قيل هو المختار ابن أبي عبيد الزاعم أن جبريل يأتيه ‏(‏ومبير‏)‏ أي مهلك يسرف في إهلاك الناس يقال‏:‏ بار الرجل يبور بوراً‏.‏ فهو بائر، وأبار غيره، فهو مبير وهو الحجاج لم يكن أحد في الإهلاك مثله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر‏)‏ أخرجه مسلم في باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها، من كتاب فضائل الصحابة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الرحمن بن واقد‏)‏ بن مسلم البغدادي أبو مسلم الواقدي أصله بصري صدوق يغلط من العاشرة ‏(‏نحوه‏)‏ أي نحو حديث ابن عمر المذكور‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه الطبراني في الكبير عن سلامة بنت الحر، قال المناوي‏:‏ إسناده ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وشريك يقول عبد الله بن عصم وإسرائيل يقول عبد الله بن عصمة‏)‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الله بن عصم‏:‏ قال الاَجري عن أبي داود قال إسرائيل عصمة، وقال شريك عصم، وسمعت أحمد يقول القول قول شريك، وكذا قال أبو القاسم الطبراني أن الصواب عصم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الكذاب هو المختار بن أبي عبيد‏)‏ بالتصغير، وهو ابن مسعود الثقفي قام بعد وقعة الحسين ودعا الناس إلى طلب ثأره وكان غرضه في ذلك أن يصرف إلى نفسه وجوه الناس ويتوسل به إلى الإمارة وكان طالباً للدنيا مدلساً في تحصيلها كذا ذكره القاضي‏.‏ وفي الإكمال لصاحب المشكاة‏:‏ المختار بن أبي عبيد هو المختار ابن أبي عبيد بن مسعود الثقفي كان أبوه من أجلة الصحابة وولد المختار عام الهجرة وليس له صحبة ولا رواية، وهو الذي قال في حقه عبد الله بن عصمة‏:‏ هو الكذاب الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ في ثقيف كذاب‏.‏ كان أولاً مشهوراً بالفضل والعلم والخير، وكان ذلك منه بخلاف ما يبطنه إلى أن فارق عبد الله بن الزبير، وطلب الإمارة وأظهر ما كان يبطن من فساد الرأي والعقيدة والهوى إلى أن ظهر منه أسباب كثيرة تخالف الدين، وكان يظهر طلب ثأر الحسين بن علي بن أبي طالب ليتمشى أمره الذي يرومه من الإمارة وطلب الدنيا، ولم يزل كذلك إلى أن قتل سنة سبع وستين في أيام مصعب بن الزبير انتهى ‏(‏والمبير الحجاج بن يوسف‏)‏ وهو بفتح الحاء مبالغة الحاج بمعنى الاَتي بالحجة‏.‏ قال صاحب المشكاة هو عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان وبعده لابنه الوليد مات بواسط في شوال سنة خمس وسبعين وعمره أربع وخمسون سنة قلت‏:‏ حجاج بن يوسف هذا هو الأمير الظالم الذي يضرب به المثل في الظلم والقتل والسفك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو داود سليمان بن سلم البلخي‏)‏ قال في التقريب‏:‏ سليمان بن سلم ابن سابق الهداوي، بفتح الهاء وتخفيف الدال، أبو داود المصاحفي البلخي، ثقة من الحادية عشر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أحصوا‏)‏ بفتح الهمزة والصاد أي اضبطوا أو عدوا ‏(‏صبراً‏)‏ بفتح فسكون‏.‏ قال في النهاية‏:‏ كل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ، فإنه مقتول صبراً‏.‏

1476- بابُ مَا جَاءَ في القَرْنِ الثّالِث

وهو قرن أتباع التابعين‏.‏ قال النووي‏:‏ الصحيح أن قرنه صلى الله عليه وسلم والصحابة، والثاني التابعون، والثالث تابعوهم انتهى

2255- حَدّثنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى، حدثنا مُحمّدُ بنُ الفُضْيلِ عَنْ الأعَمشِ عَنْ عليّ بنِ مُدْرِكٍ عَنْ هِلاَل بنِ يَسَافٍ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَينٍ قالَ‏:‏ ‏"‏سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ خَيْرُ النّاسِ قَرْنِي، ثَمّ الذِينَ يَلُونَهُمْ ثَمّ يَأتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَومٌ يتسَمّنُون ويُحِبّونَ السّمَنَ يُعْطُونَ الشّهَادَةَ قَبلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَكَذَا رَوى محمدُ بن فُضَيلٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الأعمَشِ عَنْف عَلِيّ بنِ مُدْرِكٍ عَن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ‏.‏

ورَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ من الْحُفاظِ هذا الحديث عَن الأعمَشِ، عَنْ هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ، وَلَمْ يَذْكرُوا فيهِ عَلِيّ بنَ مُدْرِكٍ‏.‏

2256- حدّثنا الحُسينُ بنُ حُرَيثٍ، أخبرنا وَكيعٌ عن الأعمَشِ، حدثنا هِلاَلُ بنُ يَسَافٍ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ عَنْ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ نَحْوَهُ‏.‏ وَهذَا أَصَحّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ مُحَمّدِ بنِ فُضَيْلٍ‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ وَجْهٍ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

2257- حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا أبو عَوَانَةَ عن قَتَادَةَ عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏خَيْرُ أُمّتِي الْقَرْنُ الّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ، قال وَلاَ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثّالِثَ أَمْ لاَ، ثُم يَنْشَأُ أَقْوَامٌ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَفْشُو فِيهِمُ السّمَنُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خير الناس قرني‏)‏ أي أهل قرني‏.‏ قال الحافظ والمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحابة وقد سبق في صفة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ وبعثت في خير قرون بني آدم‏.‏ وفي رواية بريدة عند أحمد‏:‏ خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعاً وتسعين، وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحواً من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، واتفقوا أن آخر من كان من اتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين انتهى ‏(‏ثم الذين يلونهم‏)‏ أي القرن الذي بعدهم وهم التابعون ‏(‏ثم الذين يلونهم‏)‏ وهم أتباع التابعين، ويأتي شرح هذا الحديث وتخريجه في أبواب الشهادات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم قال‏)‏ أي عمران ‏(‏ولا أعلم أذكر الثالث أم لا‏)‏ وكذلك في رواية مسلم من طريق زرارة بن أوفى عن عمران وفي الصحيح من طريق زهدم عن عمران قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم‏.‏ وفي حديث بريدة عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شك منها عن النعمان بن بشير عند أحمد وعن مالك عند مسلم عن عائشة، قال رجل‏:‏ يا رسول الله أي الناس خير قال القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث ووقع في رواية الطبراني وسمويه ما يفسر به هذا السؤال وهو ما أخرجاه من طريق بلال بن سعيد بن تميم عن أبيه قال‏:‏ قلت يا رسول الله أي الناس خير‏؟‏ فقال أنا وقرني‏.‏ فذكر مثله وللطيالسي من حديث عمر رفعه‏:‏ خير أمتي القرن الذي أنا منهم ثم الثاني ثم الثالث، ووقع في حديث جعدة بن هبير عند ابن أبي شيبة والطبراني إثبات القرن الرابع ولفظه‏:‏ خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الاَخرون أردا ورجاله ثقات إلا أن جعدة مختلف في صحته انتهى ‏(‏يخونون ولا يؤتمنون‏)‏ أي لا يثق الناس بهم ولا يعتقدونهم أمناء بأن تكون خيانتهم ظاهرة بحيث لا يبقى للناس اعتماد عليهم ‏(‏ويفشو‏)‏ أي يظهر ‏(‏فيهم السمن‏)‏ بكسر المهملة وفتح الميم بعدها نون، أي يحبون التوسع في المآكل والمشارب وهي أسباب السمن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1477- باب مَا جَاء في الْخُلَفَاء

2258- حَدّثنا أبو كُرَيْبٍ محمد بن العلاء، أخبرنا عُمَرُ بنُ عُبَيْدٍ الطنافسي عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يَكُونُ مِنْ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ أَمِيراً، قال‏:‏ ثُمّ تَكلّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ الّذِي يَلِينِي فقال‏:‏ قال‏:‏ كُلّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2259- حدّثنا أَبو كُرَيْبٍ، حدثنا عُمَرُ بنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عن أَبِي بَكْرِ بنِ أَبي مُوسَى، عن جَابِرِ بنِ سَمُرةَ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ هَذَا الْحَديثِ‏.‏ وقد روى من غير وجه عن جابر بن سمرة‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسن صحيح غريبٌ يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي موسَى عن جَابرِ بنِ سَمُرَةَ‏.‏ وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو‏.‏

2260- حَدّثنا بُنْدَارٌ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ، أخبرنا حُمَيْدُ بنِ مِهْرَانَ عن سَعْدِ بنِ أَوْسٍ عن زِيَادِ بنِ كُسَيبٍ العدوِيّ، قَالَ كُنْتُ مَعَ أَبي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابنِ عَامِرٍ وِهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَقَالَ أَبُو بِلاَلٍ‏:‏ انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الفُسّاقِ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ‏:‏ اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ الله في الأَرْضِ أَهَانَهُ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عمر بن عبيد‏)‏ بن أبي أمية الطنافسي، الكوفي، صدوق من الثامنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يكون من بعدي أثنا عشر أميراً‏)‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، وفي رواية أخرى له‏:‏ لا يزال أمر الناس ماضياً ماوليهم اثنا عشر رجلاً، وفي أخرى له‏:‏ لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة، وفي أخرى له‏:‏ لا يزال الدين قائماً‏.‏‏.‏‏.‏ حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة‏.‏ ووقع في حديث أبي جحيفة عند البزار والطبراني نحو حديث جابر بن سمرة بلفظ‏:‏ لا يزال أمر أمتي صالحاً‏.‏ وأخرجه أبو داود من طريق الأسود بن سعيد عن جابر بن سمرة نحوه قال‏:‏ وزاد فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا‏:‏ ثم يكون ماذا‏؟‏ قال الهرج‏.‏ وأخرجه من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه بلفظ‏:‏ لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة، قال القاضي عياض‏:‏ توجه على هذا العدد سؤالان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه يعارضه ظاهر قوله في حديث سفينة، يعني الذي أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن جبان وغيره‏:‏ الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً لأن الثلاثين سنة لم يكن فيها إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن بن علي‏.‏ والثاني‏:‏ أنه ولي الخلافة أكثر من هذا العدد‏.‏ قال والجواب على الأول أنه أراد في حديث سفينة خلافة النبوة ولم يقيده في حديث جابر بن سمرة بذلك، وعن الثاني أنه لم يقل‏:‏ لا يلي إلا اثنا عشر وإنما قال يكون اثنا عشر وقد ولى هذا العدد ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم‏.‏ قال وهذا إن كان اللفظ واقعاً على كل من ولي وإلا فيحتمل أن يكون المراد من يستحق الخلافة من أئمة العدل، وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولابد من تمام العدة قبل قيام الساعة‏.‏ وقد قيل إنهم يكونون في زمن واحد يفترق الناس عليهم، وقد وقع في المائة الخامسة في الأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة ومعهم صاحب مصر والعباسية ببغداد إلى من كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج قال ويعضد هذا التأويل قوله في حديث آخر في مسلم ستكون خلفاء فيكثرون‏.‏ قال ويحتمل أن يكون المراد أن يكون الاثنا عشر في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة ويؤيده قوله في بعض الطرق‏.‏ كلهم تجتمع عليه الأمة‏.‏ وهذا قد وجد في من اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم وهذا العدد موجود صحيح إذا اعتبر‏.‏ قال وقد يحتمل وجوهاً أخر والله أعلم بمراد نبيه انتهى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ والاحتمال الذي قبل هذا وهو اجتماع اثني عشر في عصر واحد كلهم يطلب الخلافة هو الذي اختاره المهلب كما تقدم وقد ذكرت وجه الرد عليه ولو لم يرد إلا قوله‏:‏ كلهم يجتمع عليه الناس فإن في وجودهم في عصر واحد يوجد عين الأفتراق، فلا يصح أن يكون المراد انتهى‏.‏ ثم نقل الحافظ كلام ابن الجوزي عن كتابه كشف المشكل ثم قال‏:‏ وينتظم من مجموع ما ذكراه ‏(‏يعني القاضي عياض وابن الجوزي‏)‏ أوجه أرجحها الثالث من أوجه القاضي لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة كلهم يجتمع عليه الناس وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي إلى أن وقع امر الحكمين في صفين فسمى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام ونخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين‏.‏

والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع عليه الناس لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فغلبه مروان ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل، ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه، ثم ولى أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنه المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في بعض البلاد بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض شرقاً وغربا وشمالاً ويميناً مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة ومن نظر في أخبارهم عرف صحة ذلك فعلى هذا يكون المراد بقوله ثم يكون الهرج يعني القتل الناشئ عن الفتن وقوعاً فاشياً يفشو ويستمر ويزداد على مدى الأيام وكذا كان، انتهى كلام الحافظ‏.‏

قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تفسيره تحت قوله تعالى ‏{‏وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً‏}‏ بعد إيراد حديث جابر بن سمرة من رواية الشيخين واللفظ لمسلم ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم بل قد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره أنه يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، وليس هذا بالمنتظر الذي يتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامراً فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية بل من هوس العقول السخيفة وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الأثني عشر الأئمة الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم انتهى‏.‏ ‏(‏ثم تكلم‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏فسألت الذي يليني‏)‏ وفي عدة من روايات مسلم‏:‏ فسألت أبي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وأبو داود وغيرهم ‏(‏وقد روي من غير وجه عن جابر بن سمرة‏)‏ روى مسلم في صحيحه حديث جابر هذا من عدة طرق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو عبيد بن أبي أمية الطنافسي الحنفي ويقال الإيادي مولاهم أبو الفضل اللحام الكوفي صدوق من السادسة ‏(‏عن أبي بكر بن أبي موسى‏)‏ الأشعري الكوفي اسمه عمرو أو عامر ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن مسعود وعبد الله بن عمرو‏)‏ أما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد والبزار بسند حسن‏:‏ أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة‏؟‏ فقال سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الطبراني عنه مرفوعاً‏:‏ إذا ملك اثنا عشر من بني كعب بن لؤي كان النقف والنقاف‏.‏

قال الحافظ‏:‏ والنقف ظهر لي أنه بفتح النون وسكون القاف وهو كسر الهامة عن الدماغ والنقاف بوزن فعال منه وكني بذلك عن القتل والقتال‏.‏ ويؤيده قوله في بعض طرق جابر بن سمرة ثم يكون الهرج‏.‏ وأما صاحب النهاية فضبطه بالثاء المثلثة بدل النون وفسره بالجد الشديد في الخصام ولم أر في اللغة تفسيره بذلك بل معناه الفطنة والحذق ونحو ذلك‏.‏ وفي قوله من بني كعب بن لؤي إشارة إلى كونهم من قريش، لأن لؤياً هو ابن غالب بن فهر وفيهم جماع قريش، انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا حميد بن مهران‏)‏ قال الحافظ في التقريب حميد بن أبي حميد مهران الخياط الكندي أو المالكي، ثقة من السابعة‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى له الترمذي والنسائي حديثاً واحداً‏:‏ من أهان سلطاناً أهانه الله انتهى‏.‏ ‏(‏عن سعد بن أوس‏)‏ العدوي أو العبدي البصري صدوق له أغاليط من الخامسة ‏(‏عن زياد بن كسيب العدوي‏)‏ البصري مقبول من الثالثة، كذا في التقريب‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته له عندهما يعني الترمذي والنسائي حديث واحد تقدم في حميد بن مهران انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعليه ثياب رقاق‏)‏ بكسر الراء أي رقيقة رفيعة ‏(‏فقال أبو بلال‏)‏ قال القاري‏:‏ لعله أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ولده كان والياً على البصرة ‏(‏يلبس ثياب الفساق‏)‏ يحتمل كونها محرمة من الحرير، وكونها رقاقاً لا محرمة لكن لكونها ثياب المتنعمين نسبه إلى الفسق تغليظاً وهو الظاهر، ولذا رده أبو بكرة بقوله‏:‏ ‏(‏من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله‏)‏ أي من أهان من أعزه الله وألبسه خلعة السلطنة أهانه الله‏.‏ وفي الأرض متعلق بسلطان الله تعلقها في قوله تعالى ‏{‏إنا جعلناك خليفة في الأرض‏}‏ والإضافة في سلطان الله، إضافة تشريف، كبيت الله وناقة الله ويحكى عن جعفر الصادق مع سفيان الثوري وعلى جعفر جبة خز دكناء فقال له‏:‏ يا ابن رسول الله ليس هذا من لباسك، فحسر عن ردن جبته فإذا تحتها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن‏.‏ فقال‏:‏ يا ثوري لبسنا هذا لله وهذي لكم فما كان لله أخفيناه وما كان لكم أبديناه‏.‏ ذكره صاحب جامع الأصول في كتاب مناقب الأولياء، والدكناء بالدال المهملة تأنيث الأدكن وهو ثوب مغبر اللون ذكره الطيبي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه النسائي‏.‏

1478- باب مَا جَاءَ في الْخِلاَفَة

2261- حدّثنا يَحْيَى بنُ مُوسَىَ، حدثنا عبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ، عن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَر عن أَبِيهِ قَالَ‏:‏ قِيلَ لِعُمَرَ بنِ الْخَطّابِ‏:‏ لَوْ اسْتَخْلَفْتَ‏.‏ قَالَ إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ لَمْ أَسْتَخْلِفْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وَفي الْحَدِيثِ قِصّةٌ وهذا حديثٌ صَحِيحٌ، قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابنِ عُمَرَ‏.‏

2262- حَدّثنا أَحمدُ بنُ مَنيعٍ، أخبرنا سُرَيْجُ بنُ النّعْمَانِ، حدثنا حَشْرَجُ بنُ نُبَاتَةَ، عن سَعِيدِ بنِ جُمْهَانَ، قَالَ حدثني سَفِينَةُ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الْخِلاَفَةُ فِي أُمّتِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ‏"‏ ثُمّ قَالَ لِي سَفِينَةُ‏:‏ امْسِكْ عَلَيْكَ خِلاَفَةَ أَبي بَكْرٍ، ثُمّ قَالَ‏:‏ وَخِلاَفةَ عُمَرَ وَخِلاَفَةَ عُثْمانَ، ثُمّ قَالَ لي‏:‏ امسِكْ خِلاَفَةَ عَلِيّ قال‏:‏ فَوَجَدْنَاهَا ثَلاَثِينَ سَنَةً‏.‏ قَالَ سَعِيدٌ فَقُلْتُ لَهُ‏:‏ إِنّ بَنِي أُمَيّةَ يَزْعَمُونَ أَنّ الْخِلاَفَةَ فِيهِمْ، قَالَ‏:‏ كَذَبُوا بنو الزّرْقَاء بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مَنْ شَرّ المُلُوكِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عَنْ عُمَر وعَلِيّ قَالاَ‏:‏ ‏"‏لَمْ يَعْهَدْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الْخِلاَفَةِ شَيْئاً‏"‏‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ قد رَوَاهُ غَيْرُ واحِدٍ عن سَعِيدِ بنِ جُمْهَانَ وَلاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ من حديث سعيد بن جَمهان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سريج بن النعمان‏)‏ بمهملة وراء وجيم مصغراً، ابن مروان الجوهري أبو الحسن البغدادي أصله من خراسان ثقة يهم قليلاً من كبار العاشرة ‏(‏أخبرنا حشرج بن نباتة‏)‏ بضم النون ثم الموحدة ثم المثناة، الأشجعي، أبو مكرم الواسطي أو الكوفي، صدوق يهم من الثامنة ‏(‏عن سعيد بن جمهان‏)‏ بضم الجيم وإسكان الميم الأسلمي، كنيته أبو حفص البصري صدوق له أفراد من الرابعة ‏(‏حدثني سفينة‏)‏ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى أبا عبد الرحمن يقال كان اسمه مهران أو غير ذلك فلقب سفينة لكونه حمل شيئاً كبيراً في السفر، مشهور له أحاديث كذا في التقريب‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ قال حماد بن سلمة عن سعيد بن جمهان عن سفينة‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وكان إذا أعيى بعض القوم ألقى علي سيفه ألقى علي ترسه حتى حملت من ذلك شيئاً كثيراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنت سفينة، انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الخلافة في أمتي ثلاثون سنة‏)‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ خلافة النبوة ثلاثون سنة‏.‏ قال العلقمي قال شيخنا يعني الحافظ السيوطي‏:‏ لم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلمن إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن، قال العلقمي‏:‏ بل الثلاثون سنة هي مدة الخلفاء الأربعة كما حررته، فمدة خلافة أبي بكر سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، ومدة عثمان إحدة عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة أيام، ومدة خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام، هذا هو التحرير فلعلهم ألغوا الأيام وبعض الشهور‏.‏ وقال النووي في تهذيب الأسماء‏:‏ مدة خلافة عمر عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين يوماً، وعثمان اثنتي عشرة سنة إلا ست ليال، وعلي خمس سنين، وقيل خمس سنين إلا أشهراً، والحسن نحو سبعة أشهر، انتهى كلام النووي‏.‏ والأمر في ذلك سهل‏.‏ هذا آخر كلام العلقمي ‏(‏ثم ملك بعد ذلك‏)‏ قال المناوي أي بعد انقضاء زمان خلافة النبوة يكون ملكاً، لأن اسم الخلافة إنما هو لمن صدق عليه هذا الاسم بعمله للسنة‏.‏ والمخالفون ملوك لا خلفاء وإنما تسموا بالخلفاء لخلفهم الماضي وأخرج البيهقي في المدخل عن سفينة أن أول الملوك معاوية رضي الله عنه، والمراد بخلافة النبوة هي الخلافة الكاملة وهي منحصرة في الخمسة فلا يعارض الحديث‏:‏ لا يزال هذا الدين قائماً حتى يملك اثنا عشر خليفة لأن المراد به مطلق الخلافة والله أعلم انتهى‏.‏ كلامه محصلاً ‏(‏أمسك عليك خلافة أبي بكر‏)‏ أي اضبط الحساب عاقداً أصابعك‏.‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ أمسك عليك أبا بكر سنتين وعمر عشراً وعثمان أثني عشر وعلي كذا‏.‏ ولفظ أحمد في مسنده‏:‏ قال سفينة أمسك خلافة أبي بكر رضي الله عنه سنتين وخلافة عمر رضي الله عنه عشر سنين وخلافة عثمان رضي الله عنه اثني عشر سنة وخلافة علي رضي الله عنه ست سنين ‏(‏فقلت له‏)‏ أي لسفينة ‏(‏قال‏)‏ أي سفينة ‏(‏كذبوا بنو الزرقاء‏)‏ هو من باب أكلوني البراغيت والزرقاء امرأة من أمهات بني أمية قاله في فتح الودود ‏(‏بل هم ملوك من شر الملوك‏)‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ قلت لسفينة إن هؤلاء يزعمون أن علياً لم يكن بخليفة‏.‏ قال‏:‏ كذبت إستاه بني الزرقاء يعني بني مروان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمر وعلي قالا لم يعهد‏)‏ أي لم يوص‏.‏ أما حديث عمر فأخرجه الترمذي بعد هذا، وأما حديث علي فأخرجه أحمد والبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال‏:‏ لما ظهر علي يوم الجمل قال‏:‏ أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئاً حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى سبيله، ثم إن أبا بكر رأي من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقواماً طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها‏.‏ وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه البيهقي في الدلائل عن أبي وائل قال‏:‏ قيل لعلي ألا تستخلف علينا‏؟‏ قال‏:‏ ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيراً فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي‏.‏ قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لو استخلفت‏)‏ لو للتمني أو جوابه محذوف أي لكان خيراً ‏(‏إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر وإن لم أستخلف لم يستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ حاصله أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضره مقدمات الموت، وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه‏.‏ فإن تركه فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا وإلا فقد اقتدى بأبي بكر‏.‏ وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة‏.‏ وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شوري بين جماعة كما فعل عمر بالستة‏.‏ وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل‏.‏ وأما ما حكى عن الأصم أنه قال‏:‏ لا يجب‏.‏ وعن غيره‏:‏ أنه يجب بالعقل لا بالشرع فباطلان‏.‏ أما الأصم فمحجوج بإجماع من قبله ولا حجة له في بقاء الصحابة بلا خليفة في مدة التشاور يوم السقيفة وأيام الشورى بعد وفاة عمر رضي الله عنه، لأنهم لم يكونوا تاركين لنصب الخليفة بل كانوا ساعين في النظر في أمر من يعقد له، وأما القائل الاَخر ففساد قوله ظاهر، لأن العقل لا يوجب شيئاً ولا يحسنه ولا يقبحه، إنما يقع ذلك بحسب العادة لا بذاته‏.‏ وفي هذا الحديث دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على خليفة، وهو إجماع أهل السنة وغيرهم‏.‏ قال القاضي‏:‏ وخالف في ذلك بكر بن أخت عبد الواحد فزعم أنه نص على أبي بكر‏.‏ وقال ابن راوندي‏:‏ نص على العباس‏.‏ وقالت الشيعة والرافضة‏:‏ على علي‏.‏ وهذه دعاوي باطلة وجسارة على الافتراء ووقاحة في مكابرة الحس، وذلك لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على اختيار أبي بكر وعلى تنفيذ عهده إلى عمر‏.‏ وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم يخالف في شيء من هذا أحد‏.‏ ولم يدع علي ولا العباس ولا أبو بكر وصية في وقت من الأوقات وقد اتفق علي والعباس على جميع هذا من غير ضرورة مانعة من ذكر وصية لو كانت‏.‏ فمن زعم أنه كان لأحد منهم وصية فقد نسب الأمة إلى اجتماعها على الخطأ واستمرارها عليه‏.‏ وكيف يحل لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى المواطأة على الباطل في كل هذه الأحوال‏؟‏ ولو كان شيء لنقل فإنه من الأمور المهمة، انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الحديث قصة طويلة‏)‏ أخرجها مسلم في صحيحه في أوائل كتاب الإمارة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1479- باب مَا جَاء أَنّ الْخُلَفَاء مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السّاعَة

2263- حَدّثنا حُسَيْنُ بنُ محمدٍ البَصْرِيّ، حدثنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ حدثنا شُعْبَةُ عن حَبِيبِ بنِ الزّبَيْرِ، قَالَ‏:‏ ‏"‏سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أَبي الهذيل يَقُولُ‏:‏ كَانَ نَاسٌ مِنْ رَبِيعَةَ عِنْدَ عَمْرِو بنِ العَاصِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَكْرِ بنِ وَائِلٍ لِتَنْتَهِيَنّ قُرَيْشٌ أَوْ لَيَجْعَلَنّ الله هَذَا الأَمْرَ في جُمْهُورٍ مِنَ الْعَرَبِ غَيْرِهِمْ، فَقَالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ‏:‏ كَذَبْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ قُرَيْشٌ وُلاَةُ النّاسِ في الْخَيْرِ وَالشّرّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عُمَر وَجَابِرٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ‏.‏

2264- حدّثنا محمدُ بنُ حَدّثنا بَشّارٍ العبدي، حدثنا أَبو بَكْرٍ الْحَنَفيّ عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بنِ جَعْفَرٍ عن عُمَرَ بنِ الْحَكَمِ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لاَ يَذْهَبُ الّليْلُ وَالنّهَارُ حَتّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ المَوَالِي يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا حسين بن محمد‏)‏ بن أيوب الذارع السعدي أبو علي البصري صدوق من العاشرة ‏(‏عن حبيب بن الزبير‏)‏ بن مشكان الهلالي أو الحنفي الأصبهاني أصله من البصرة ثقة من السادسة ‏(‏سمعت عبد الله بن أبي الهذيل‏)‏ الكوفي كنيته أبو المغيرة، ثقة من الثانية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لتنتهين قريش‏)‏ أي من الفسق والعصيان ‏(‏أو ليجعلن الله هذا الأمر‏)‏ أي الرياسة والخلافة ‏(‏غيرهم‏)‏ أي غير قريش ‏(‏قريش ولاة الناس في الخير والشر‏)‏ أي في الجاهلية والإسلام ويستمر ذلك ‏(‏إلى يوم القيامة‏)‏ فالخلافة فيهم ما بقيت الدنيا، ومن تغلب على الملك بالشوكة لا ينكر أن الخلافة فيهم‏.‏ قال النووي في شرح مسلم هذه الأحاديث ‏(‏يعني أحاديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن مسعود التي رواها مسلم في باب الخلافة في قريش‏)‏ وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم‏.‏ وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة وكذلك بعدهم ومن خالف فيه من أهل البدع فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة‏.‏ قال القاضي‏:‏ اشتراط كونه قرشياً هو مذهب العلماء كافة‏.‏ قال وقد احتج به أبو بكر وعمر رضي الله عنهم على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد‏.‏ قال القاضي وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار‏.‏ قال ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن عمرو في قوله‏:‏ إن غير القرشي من النبط وغيرهم يقدم على قرشي لهوان خلعه إن عرض منه أمر‏.‏ وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين‏.‏

وأما قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الناس تبع لقريش في الخير والشر، فمعناه في الإسلام والجاهلية كما هو مصرح به في الرواية الأولى يعني رواية أبي هريرة‏:‏ الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم وأهل حج بيت الله، وكانت العرب تنتظر إسلامهم فلما أسلموا وفتحت مكة تبعهم الناس وجاءت وفور العرب من كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة والناس تبع لهم، وبين صلى الله عليه وسلم أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا ما بقي من الناس اثنان وقد ظهر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فمن زمنه صلى الله عليه وسلم إلى الاَن الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم فيها، وتبقى كذلك ما اثنان كما قال صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏

وقال الحافظ في الفتح‏:‏ ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال‏:‏ إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته فذكر الحديث وفيه‏:‏ فإن ادركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل الحديث، ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش فيحتمل أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً أو تغير اجتهاد عمر في ذلك‏.‏ وأما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير قريش في حياته انتهى‏.‏

فإن قلت ما وجه الجمع بين الأحاديث التي تدل على اختصاص الخلافة بقريش وبين حديث أنس بن مالك عند أحمد والبخاري والنسائي مرفوعاً‏:‏ اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة‏.‏ وحديث أم الحصين عند مسلم مرفوعاً‏:‏ إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا‏.‏

قلت المراد من هذين الحديثين وما في معناهما أن الإمام الأعظم إذا استعمل العبد الحبشي على إمارة بلد مثلاً وجبت طاعته وليس فيه أن العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم‏.‏ قال الخطابي‏:‏ وقد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود يعني وهذا من ذاك أطلق العبد الحبشي مبالغة في الأمر بالطاعة وإن كان لا يتصور شرعاً أن يلي ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وابن مسعود وجابر‏)‏ أما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والشيخان ولفظه عند مسلم‏:‏ لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان‏.‏ قال الحافظ ابن حزم في المحلي بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ هذه اللفظة لفظة الخبر فإن كان معناه الأمر فحرام ان يكون الأمر في غيرهم أبداً، وإن كان معناه معنى الخبر كلفظه فلا شك في أن من لم يكن من قريش فلا أمر له، وان ادعاه فعلى كل حال فهذا خبر يوجب منع الأمر عمن سواهم انتهى‏.‏ وأما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم بنحو حديث ابن عمر، وأما حديث جابر وهو ابن عبد الله فأخرجه مسلم ولفظه‏:‏ الناس تبع لقريش في الخير والشر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أحمد قال المناوي بإسناد صحيح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمر بن الحكم‏)‏ بن رافع بن سنان المدني الأنصاري، حليف الأوس، ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يذهب الليل والنهار‏)‏ أي لا ينقطع الزمان ولا تأتي القيامة ‏(‏حتى يملك رجل من الموالي‏)‏ أي على سبيل التغلب لا بشورى أهل الحل والعقد‏.‏ فهذا الحديث لا يخالف الأحاديث القاضية بأن الخلافة في قريش، والموالي بفتح الميم جمع المولى أي المماليك، والمعنى حتى يصير حاكم على الناس ‏(‏يقال له جهجاه‏)‏ قال النووي هو بفتح الجيم وإسكان الهاء وفي بعض النسخ يعني نسخ مسلم الجهجها بهاءين، وفي بعضها الجهجا بحذف الهاء التي بعد الألف والأول هو المشهور، انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه مسلم في اشراط الساعة‏.‏

1480- باب مَا جَاءَ في الأَئمّةِ المُضِلّين

2265- حَدّثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَيّوبَ، عن أَبي قلاَبَةَ عن أَبي أَسْمَاءَ الرحبي عن ثَوْبَانَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنّمَا أَخَافُ عَلَى أُمّتِي الأَئمّةَ المُضِلّينَ‏.‏ قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لاَ تَزَالُ طَائِفةٌ مِنْ أُمّتِي عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ حَتّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسن صَحِيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنما أخاف على أمتي أئمة مضلين‏)‏ أي داعين إلى البيع والفسق والفجور ‏(‏على الحق‏)‏ خبر لقوله لا تزال أي ثابتين على الحق علماً وعملاً ‏(‏ظاهرين‏)‏ أي غالبين على الباطل ولو حجة‏.‏ قال الطيبي‏:‏ يجوز أن يكون خبر بعد خبر وأن يكون حالاً من ضمير الفاعل في ثابتين على الحق في حالة كونهم غالبين على العدو ‏(‏لا يضرهم من خذلهم‏)‏ أي لثباتهم على دينهم ‏(‏حتى يأتي أمر الله‏)‏ متعلق بقوله لا تزال قال في فتح الودود أي الريح التي يقبض عندها روح كل مؤمن ومؤمنة، انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم وابن ماجة بدون ذكر‏:‏ إنما أخاف على أمتي أئمة مضلين‏.‏ وأخرجه أبو داود مطولاً‏.‏

1481- باب مَا جَاءَ في الْمَهْدِي

اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي ويكون خروج الدجال أو وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى عليه السلام ينزل من بعده فيقتل الدجال ينزل من بعده فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته‏.‏ وخرّج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم أبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلي الموصلى وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنهم وأسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف‏.‏ وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها فلم يصب بل أخطأ وما روي من رواية محمد بن المنكدر عن جابر‏:‏ من كذب بالمهدي فقد كفر‏.‏ فموضوع والمتهم فيه أبو بكر الإسكاف وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما روي مرفوعاً أنه قال‏:‏ لا مهدي إلا عيسى بن مريم‏.‏ والحديث ضعفه البيهقي والحاكم وفيه أبان بن صالح وهو متروك الحديث والله أعلم كذا في عون المعبود‏.‏ قلت الأحاديث الواردة في خروج الإمام المهدي كثيرة جداً، ولكن أكثرها ضعاف، ولا شك في أن حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الترمذي في هذا الباب لا ينحط عن درجة الحسن وله شواهد كثيرة من بين حسان وضعاف‏.‏ فحديث عبد الله بن مسعود هذا مع شواهده وتوابعه صالح للاحتجاج بلا مرية، فالقول بخروج الإمام المهدي وظهوره هو القول الحق والصواب والله تعالى أعلم‏.‏

وقال القاضي الشوكاني في الفتح الرباني‏:‏ الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثاً وثمانية وعشرون أثراً ثم سردها مع الكلام عليها ثم قال وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع انتهى

2266- حَدّثنا عُبَيْدُ بنُ أَسْبَاطِ بنِ مُحَمّدٍ القُرَشِيّ الكوفي قال‏:‏ حدثني أبي، حدثنا سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن عَاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ عن زِرٍ عن عَبْدِ الله قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لاَ تَذْهَبُ الدّنْيَا حَتّى يَمْلِكَ العَرَبَ رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمَهُ اسْمِي‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن عَلِيّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأُمّ سَلَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

2267- حدّثنا عَبْدُ الْجَبّارِ بْنُ العَلاَءِ بن عبد الجبار الْعَطّارُ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَاصِمٍ، عن زِرّ، عن عَبْدِ الله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏يَلِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي‏"‏، قَالَ عَاصِمٌ‏:‏ وأنا أَبُو صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدّنْيَا إِلاّ يوم لَطَوّلَ الله ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتّى يَلِيَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذَا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

2268- حَدّثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُحمدُ بنُ جَعْفَرِ، حدثنا شُعْبَةُ قَال‏:‏ سَمِعْتُ زَيداً العَمِيّ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الصّدّيقِ النّاجِيّ يُحَدّثُ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ‏:‏ ‏"‏خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نَبِيّنَا حَدَثٌ، فَسَأَلْنَا نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ‏:‏ إِنّ فِي أُمّتِي المَهْدِيّ يَخْرُجُ يَعِيشُ خَمْساً أَوْ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً- زيد الشّاكّ- قَالَ قُلْنَا وَمَا ذَاكَ‏.‏ قَالَ‏:‏ سِنِينَ، قالَ‏:‏ فيَجِيءُ إِلَيْهِ الرّجُلُ فَيَقُولُ‏:‏ يَا مَهْدِيّ أَعْطِنِي أَعْطِنِي، قَالَ‏:‏ فَيَحْثِي لَهُ في ثَوْبِهِ ما استطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ‏.‏

وَقَدْ رُوِيَ منْ غَيْرِ وَجْه عن أَبي سَعِيدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأَبُو الصّدّيقِ النّاجِيّ اسْمُهُ بَكْرُ بنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ بَكْرُ بنُ قَيْسٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله‏)‏ هو ابن مسعود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تذهب الدنيا‏)‏ أي لا تفنى ولا تنقضي ‏(‏حتى يملك العرب‏)‏ قال في فتح الودود‏:‏ خص العرب بالذكر لأنهم الأصل والأشراف انتهى‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ لم يذكر العجم وهم مرادون أيضاً لأنه إذا ملك العرب واتفقت كلمتهم وكانوا يداً واحدة قهروا سائر الأمم ويؤيد حديث أم سلمة يعني المذكور في المشكاة في الفصل الثاني من باب أشراط الساعة وفيه‏:‏ ويعمل في الناس بسنة نبيهم ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون‏.‏ قال القاري‏:‏ ويمكن أن يقال‏:‏ ذكر العرب لغلبتهم في زمنه، أو لكونهم أشرف، أو هو من باب الاكتفاء ومراده العرب والعجم كقوله تعالى ‏{‏سرابيل تقيكم الحر‏}‏ أي والبرد والأظهر أنه اقتصر على ذكر العرب لأنهم كلهم يطيعونه بخلاف العجم بمعنى ضد العرب فإنه قد يقع منهم خلاف في إطاعته انتهى ‏(‏الرجل من أهل بيتي‏)‏ هو الإمام المهدي ‏(‏يواطئ‏)‏ أي يوافق ويطابق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة‏)‏ أما حديث علي فأخرجه أبو داود من طريق أبي إسحاق قال‏:‏ قال علي رضي الله عنه ونظر إلى ابنه الحسن فقال‏:‏ إن ابني هذا سيد كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم صلى الله عليه وسلم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق‏.‏ الحديث قال المنذري‏:‏ هذا منقطع أبو إسحاق السبيعي رأي علياً عليه السلام رؤية‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو داود عنه مرفوعاً‏:‏ المهدي مني، أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ويملك سبع سنين‏.‏ قال المنذري‏:‏ في إسناده عمران القطان وهو أبو العوام عمران بن داود القطان البصري، استشهد به البخاري ووثقه عفان بن مسلم وأحسن عليه الثناء يحيى بن سعيد القطان، وضعفه يحيى بن معين والنسائي انتهى‏.‏ وفي الخلاصة وقال أحمد‏:‏ أرجو أن يكون صالح الحديث انتهى‏.‏ وله حديث آخر أخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏ وأما حديث أم سلمة فأخرجه أبو داود وابن ماجة عنها مرفوعاً‏:‏ المهدي من عترتي من ولد فاطمة‏.‏ وقد بسط المنذري الكلام في إسناد هذا الحديث‏.‏ ولأم سلمة حديث آخر في هذا الباب كما عرفت‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري وابن القيم، وقال الحاكم رواه الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم قال وطرق عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة، إذ عاصم إمام من أئمة المسلمين انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وعاصم هذا هو إبن أبي النجود، واسم أبي النجود بهدلة أحد القراء السبعة‏.‏ قال الحافظ في التقريب عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود بنون وجيم الأسدي مولاهم الكوفي أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون من السادسة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يواطئ اسمه اسمي‏)‏ وفي رواية أبي داود يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، فيكون محمد بن عبد الله، وفيه رد على الشيعة حيث يقولون‏:‏ المهدي الموعود هو القائم المنتظر وهو محمد بن الحسن العسكري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال عاصم وأخبرنا أبو صالح الخ‏)‏ هذا متصل بالإسناد السابق ‏(‏لطول الله ذلك اليوم حتى يلي‏)‏ أي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ حديث عاصم عن زر عن عبد الله أخرجه الترمذي قبل هذا بأطول منه كما عرفت وحديث عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة أخرجه بن ماجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سمعت أبا الصديق‏)‏ بتشديد الدال المكسورة ‏(‏الناجي‏)‏ بالنون والجيم بصري ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خشينا أن يكون بعد نبينا حدث‏)‏ بفتح الحاء والدال المهملتين‏.‏ قال في النهاية الحدث الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة انتهى‏.‏ ‏(‏يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً زيد الشاك‏)‏ أي الشك من زيد وفي رواية عن أبي سعيد عن أبي داود‏:‏ ويملك سبع سنين من غير شك، وكذلك في حديث أم سلمة عنده بلفظ‏:‏ فيلبث سبع سنين من غير شك، فقول الجازم مقدم على قول الشاك ‏(‏اعطني اعطني‏)‏ التكرير للتأكيد، ويمكن أن يقال اعطني مرة بعد أخرى لما تعود من كرمه وإحسانه ‏(‏قال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلمن ‏(‏فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله‏)‏ أي يعطيه قدر ما يستطيع حمله، وذا لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ في إسناده زيد العمي وهو ضعيف، وأخرجه أحمد أيضاً‏.‏

1482- باب مَا جَاءَ في نُزُولِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ عليه السلام

يعني في آخر الزمان

2269- حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الّليْثُ بن سعد عن ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَماً مُقْسِطاً فَيَكْسِرَ الصّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ المَالُ حَتّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده‏)‏ فيه الحلف في الخبر مبالغة في تأكيده ‏(‏ليوشكن‏)‏ بكسر المعجمة، أي ليقربن، أي لا بد من ذلك سريعاً ‏(‏أن ينزل فيكم‏)‏ أي في هذه الأمة فإنه خطاب لبعض الأمة ممن لا يدرك نزوله ‏(‏حكما‏)‏ أي حاكماً‏.‏ والمعنى أنه ينزل حاكماً بهذه الشريعة فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ بل يكون عيسى حاكماً من حكام هذه الأمة ‏(‏مقسطاً‏)‏ المقسط العادل بخلاف القاسط فهو الجائر ‏(‏فيكسر‏)‏ أي يهدم ‏(‏الصليب‏)‏ قال في شرح السنة وغيره، أي فيبطل النصرانية ويحكم بالملة الحنيفية‏.‏ وقال ابن الملك‏:‏ الصليب في اصطلاح النصارى خشبة مثلثة يدعون أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب على خشبة مثلثة على تلك الصورة وقد يكون فيه صورة المسيح ‏(‏ويقتل الخنزير‏)‏ أي يحرم اقتناءه وأكله ويبيح قتله‏.‏ قال الحافظ في الفتح أي يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه ‏(‏ويضع الجزية‏)‏ قال الحافظ‏:‏ المعنى أن الدين يصير واحد فلا يبقى أحد من أهل الدنيا يؤدي الجزية، وقيل معناه أن المال يكثر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له فتترك الجزية استغناء عنها‏.‏ وقال عياض‏:‏ يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من غير محاباة ويكون كثرة المال بسبب ذلك‏.‏ وتعقبه النووي وقال‏:‏ الصواب أن عيسى لا يقبل إلا الإسلام‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويؤيده أن عند أحمد عن أبي هريرة وتكون الدعوة واحدة‏.‏ قال النووي‏:‏ ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى، لما دل عليه هذا الخبر وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ، فإن عيسى عليه السلام يحكم بشرعنا، فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ‏(‏ويفيض المال‏)‏ بفتح أوله وكسر الفاء وبالضاد المعجمة أي يكثر وينزل البركات، وتكثر الخيرات بسبب العدل وعدم التظالم، وتقيء الأرض أفلاذ كبدها كما جاء في الحديث الاَخر‏.‏ وتقل أيضاً الرغبات لقصر الاَمال وعلمهم بقرب القيامة‏.‏ فإن عيسى عليه الصلوات والسلام علم من أعلام الساعة‏.‏ وقال العلماء‏:‏ الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، وقيل إنه دعا الله لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجدداً لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأول أوجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والشيخان‏.‏

1483- باب مَا جَاءَ في الدّجّال

قال الحافظ في الفتح‏:‏ هو فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية، وسمي الكذب دجال لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه والإناء بالذهب طلاه، وقال ابن دريد‏:‏ وسمي دجالاً لأنه يغطي الحق بالكذب وقيل لضربه نواحي الأرض يقال دجل مخففاً ومشدداً إذا فعل ذلك‏.‏

تنبيه‏:‏

اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به وتحذير الأنبياء منه والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة وأجيب بأجوبة‏:‏

أحدها‏:‏ أنه ذكر في قوله‏:‏ ‏(‏يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها الخ‏)‏ فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه‏:‏ ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها‏.‏

الثاني‏:‏ قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته‏}‏ وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنه لعلم للساعة‏}‏ وصح أنه الذي يقتل الدجال واكتفى بذكر أحد الضدين عن الاَخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى‏.‏

الثالث‏:‏ أنه ترك ذكره احتقاراً وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله وتعقب بأن السؤال باق وهو‏:‏ ما الحكمة في ترك التنصيص عليه، وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعد فلم يذكر منهم أحداً انتهى‏.‏ وهذا ما ينتقض بيأجوج ومأجوج وقد وقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس‏}‏ وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه كذا في الفتح‏.‏

2270- حَدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيّ، حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمةَ عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ عن عبدِ الله بنِ شَقِيقٍ، عن عَبْدِ الله بنِ سُرَاقَةَ، عن أَبي عُبَيْدَةَ بنِ الْجَرّاحِ قَالَ‏:‏ ‏"‏سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ إِنهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيّ بَعْدَ نُوحٍ إِلاّ قَدْ أَنْذَرَ قَومَهُ الدّجّالَ وَإِنّي أُنْذِرُكُمُوهُ، فَوَصَفَهُ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ‏:‏ لَعَلّهُ سَيُدْرِكُهُ بعضُ مَنْ رَآنِي أَوْ سَمِعَ كلامِي، قالُوا يَا رَسُولَ الله فَكَيْفَ قلوبُنَا يَوْمَئِذٍ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ مِثْلُهَا يَعْنِي الْيَوْمَ أَوْ خَيْرٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ بُسْرٍ وعبد الله بن الحارث بن جُزي وَعَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ وَأَبي هُرَيْرَةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبي عُبَيْدَةَ بنِ الْجَرّاحِ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ الْحَذّاءِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الْجَرّاحِ اسْمُهُ عَامِرُ بنُ عَبْدِ الله بنِ الْجَرّاحِ‏.‏

2271- حَدّثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالمٍ عن ابنِ عُمَر قالَ‏:‏ ‏"‏قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في النّاسِ فَأَثْنَى عَلَى الله بمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ ذَكَرَ الدّجّالَ فَقَالَ‏:‏ إِنّي لأَنْذِرْكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيّ إِلاّ وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، وَلَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ وَلِكِنْ سَأَقُولُ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ أَنّهُ أَعْوَرُ وَإِنّ الله لَيْسَ بأَعْوَرَ‏.‏ قالَ الزّهْرِيّ وَأَخْبَرَني عُمَرُ بنُ ثَابَتٍ الأَنْصَارِيّ أَنّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ يَوْمَئِذٍ لِلنّاسِ وهو يُحَذّرُهُمْ فِتْنَتة‏:‏ تَعْلَمُونَ أَنّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبّهُ حَتّى يَمُوتَ، وَأَنّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يقرأُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2272- حدّثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالمٍ، عن ابنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏تُقَاتِلُكُم اليَهُودُ فَتُسَلّطُونَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَقُولَ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يهودي وَرَائي فاقْتُلْهُ‏"‏ قال‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله بن سراقة‏)‏ الأزدي البصري، وثقه العجلي، وقال البخاري لا يعرف له سماع من أبي عبيدة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنه‏)‏ أي الشأن ‏(‏لم يكن نبياً بعد نوح إلا قد أنذر قومه الدجال‏)‏ أي خوفهم به‏.‏ ويأتي في حديث ابن عمر بعد هذا أن نوحاً قد أنذر قومه فقوله بعد نوح في هذا الحديث ‏"‏ليس‏"‏ للاحتراز ولذا قال صاحب فتح الودود‏:‏ لعل إنذار من بعد نوح أشد وأكثر ‏(‏وإني أنذركموه‏)‏ أي الدجال ببيان وصفه خوفاً عليكم من تلبيسه ومكره ‏(‏لعله سيدركه بعض من رآني‏)‏ أي على تقدير خروجه سريعاً، وقيل دلّ على بقاء الخضر‏.‏

قلت‏:‏ وستأتي مسألة حياة الخضر وموته بعد عدة أبواب ‏(‏أو سمع كلامي‏)‏ ليس أو للشك من الراوي بل للتنويع، لأنه لا يلزم من الرؤية السماع وهو لمنع الخلوة لإمكان الجمع وقيل‏:‏ المعنى أو سمع حديثي بأن وصل إليه ولو بعد حين قاله القاري ‏(‏فقال مثلها‏)‏ أي مثل قلوبكم الاَن وهو معنى قول الراوي ‏(‏يعني‏)‏ أي يريد بالإطلاق تقييد الكلام بقوله‏:‏ ‏(‏اليوم أو خير‏)‏ شك من الراوي، ويحتمل التنويع بحسب الأشخاص قاله القاري‏:‏ قلت‏:‏ ليس أو للشك من الراوي بل هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل عليه رواية أبي داود ففيها‏:‏ قالوا يا رسول الله كيف قلوبنا يومئذ أمثلها اليوم قال أو خير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن بسر وعبد الله بن مغفل وأبي هريرة‏)‏ أما حديث عبد الله بن بسر فأخرجه أبو داود وابن ماجة، وأما حديث عبد الله بن مغفل فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود وسكت عنه‏.‏ وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي‏:‏ ذكر البخاري أن عبد الله بن سراقة لا يعرف له سماع من أبي عبيدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولقد أنذر نوح قومه‏)‏ قد استشكل إنذار نوح قومه بالدجال مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية، والجواب أنه كان وقت خروجه، أخفي على نوح ومن بعده، فكأنهم أنذروا به ولم يذكر لهم وقت خروجه، فحذروا قومهم من فتنته‏.‏ ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرقه إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه وعلاماته فكان يجوز أن يخرج في حياته صلى الله عليه وسلم ثم بين له بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبر به فبذلك تجتمع الأخبار ‏(‏ولكن سأقول فيه قولاً لم يقله نبي لقومه‏)‏ قيل إن السر في اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالتنبيه المذكور مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال أن الدجال إنما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن علم كونه يختص خروجه بهذه الأمة كان طوي عن غير هذه الأمة كما طوى عن الجميع علم وقت قيام الساعة ‏(‏تعلمون أنه أعور وإن الله ليس بأعور‏)‏ إنما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية، فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة والإله يتعالى عن النقص، علم أنه كاذب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري‏)‏ الخزرجي المدني، ثقة من الثالثة وأخطأ من عده في الصحابة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال يومئذ للناس وهو يحذرهم فتنة تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت‏)‏ فيه تنبيه على أن دعواه الربوبية كذب لأن رؤية الله تعالى مقيدة بالموت، والدجال يدعى أنه الله ويراه الناس مع ذلك‏.‏ وفي هذا الحديث رد على من يزعم أنه يرى الله تعالى في اليقظة، تعالى الله عن ذلك، ولا يرد على ذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم له ليلة الإسراء لأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم فأعطاه الله تعالى في الدنيا القوة التي ينعم بها على المؤمنين في الاَخرة ‏(‏وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه من كره عمله‏)‏ وفي رواية عند مسلم من حديث أنس‏:‏ مكتوب بين عينيه كافر ثم تهجاها ك ف ر يقرأه كل مسلم‏.‏ فرواية الترمذي هذه أخص من رواية مسلم وفي حديث أبي بكرة عند أحمد‏:‏ يقرأه الأمي والكاتب ونحوه في حديث معاذ عند البزار، وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجة‏:‏ يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ولأحمد عن جابر‏:‏ مكتوب بين عينيه كافر مهجاة‏.‏ ومثله عند الطبراني من حديث أسماء بنت عميس وقوله‏:‏ كل مؤمن من كاتب وغير كاتب، إخبار بالحقيقة‏.‏ وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بغير بصره وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة‏.‏ كما يرى المؤمن الأدلة بغير بصيرته ولا يراها الكافر‏.‏ فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلم لأن ذلك الزمان تنخرق فيه العادات في ذلك‏.‏ ويحتمل قوله‏:‏ يقرأه من كره عمله‏.‏ أن يراد به المؤمنون عموماً، ويحتمل أن يختص ببعضهم ممن قوي إيمانه‏.‏ وقال النووي‏:‏ الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال فيظهر الله المؤمن عليها ويخفيها على من أراد شقاوته‏.‏ كذا في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فتسلطون عليهم‏)‏ من التسليط، أي تغلبون عليهم ‏(‏حتى يقول الحجر الخ‏)‏ هذا من أشراط الساعة‏.‏ روى مسلم عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر أو الشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود‏.‏ قال النووي‏:‏ الغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

1484- باب مَا جَاءَ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ الدّجّال

2273- حَدّثنا محمد بن بشار وَ أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ قَالاَ‏:‏ حدثنا رَوْحُ بنُ عَبَادَةَ، حدثنا سَعِيدُ بنُ أَبي عَرُوبَةَ، عن أَبي التّيّاحِ عن المُغِيرةِ بنِ سُبَيعٍ عن عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ، عن أَبي بَكْرٍ الصّدّيقِ قَالَ‏:‏ ‏"‏حدثنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ الدّجّالُ يخرُجُ مِنْ أَرْضٍ بالمَشْرِقِ يُقَالُ لهَا خُراسَانَ يتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كأَنّ وُجُوهَهُمْ المَجَانّ المُطْرَقَةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏ وقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الله بنُ شَوْذَبٍ وغير واحد عن أَبي التّيّاحِ وَلاَ نعرفه إِلاّ مَنْ حَدِيثِ أَبي التّيّاحِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن المغيرة بن سبيع‏)‏ بمهملة وموحدة مصغراً، العجلي ثقة من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال الدجال الخ‏)‏ استئناف مؤكد لحدثنا أو يدل على مذهب الشاطبي ومن تبعه من أن الإبدال يجري في الأفعال وهو أصح الأقوال أو التقدير حدثنا أشياء من جملتها قال الدجال الخ ‏(‏يقال لها خراسان‏)‏ بضم أوله وهي بلاد معروفة بين بلاد ما وراء النهر وبلدان العراق معظمها الاَن بلدة هراة المسماة بخراسان كتسمية دمشق بالشام‏.‏ كذا في المرقاة‏.‏ وفي الحديث دليل على أن الدجال يخرج من خراسان‏.‏

قال الحافظ‏:‏ أما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزماً‏.‏ ثم جاء في رواية‏:‏ أنه يخرج من خراسان‏.‏ أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي أخرى‏:‏ أنه يخرج من أصبهان‏.‏ أخرجها مسلم انتهى‏.‏

قلت أخرج مسلم من حديث أنس بن مالك‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة‏.‏ وهذه الرواية ليست بصريحة في أن الدجال يخرج من أصبهان‏.‏ ولم أجد في صحيح مسلم رواية صريحة في خروجه منها ‏(‏يتبعه‏)‏ بسكون التاء وفتح الباء أي يلحقه ويطيعه ‏(‏كأن وجوههم المجان‏)‏ بفتح الميم وتشديد النون جمع المجن بكسر الميم وهو الترس ‏(‏المطرقة‏)‏ بضم الميم وسكون الطاء، وقال السيوطي‏:‏ روى بتشديد الراء وتخفيفها فهي مفعولة من إطراقه أو طرقه أي جعل الطرق على وجه الترس والطراق بكسر الطاء الجلد الذي يقطع على مقدار الترس فيلصق على ظهره، والمعنى‏:‏ أن وجوههم عريضة ووجناتهم مرتفعة كالمجنة، وهذا الوصف إنما يوجد في طائفة الترك والأزبك ما وراء النهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة‏)‏، أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان عنه مرفوعاً‏:‏ يأتي المسيح من قبل المشرق همته المدينة الحديث‏.‏ أما حديث عائشة رضي الله عنها فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجة والحاكم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد رواه عبد الله بن شوذب‏)‏ الخراساني أبو عبد الرحمن، سكن البصرة ثم الشام، صدوق عابد من السابعة‏.‏

1485- باب مَا جَاءَ في عَلاَمَاتِ خُروجِ الدّجّال

2274- حَدّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، أخبرنا الْحَكَمُ بنُ المُبَارَكِ حدثنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلمٍ عن أَبي بَكْرِ بنِ أَبي مَرْيَمَ عن الْوَلِيدِ بنِ سُفْيَانَ، عن يَزِيدَ بن قطيبٍ السّكُونِيّ، عن أَبي بحْرِيّةَ صَاحِبِ مُعَاذِ بن جَبَلٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏المَلْحَمَةُ الْعُظْمَى وَفَتْحُ القُسْطَنْطِينَةِ وَخُرُوجُ الدّجّالِ في سَبْعَةِ أَشْهُرٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن الصّعْبِ بنِ جَثّامَةَ وَعَبْدِ الله بنِ بُسْرٍ وَعَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وَأَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ‏.‏ وهذا حديثٌ حسنٌ غريب لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ من هذا الْوَجْهِ‏.‏

2275- حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو دَاودَ عن شُعْبةَ، عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ‏:‏ فَتْحُ القُسْطَنْطِينيةِ مَعَ قِيَامِ السّاعَةِ، قَالَ محمودٌ‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ وَالقُسْطَنْطِينيةُ هِيَ مدِينَةُ الرّومِ تُفْتَحُ عِنْدَ خُرُوجِ الدّجّالِ‏.‏ والقُسْطَنْطِينَةُ قَدْ فُتِحَتْ فِي زَمَانِ بَعْضِ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن‏)‏ هو الدارمي ‏(‏أخبرنا الحكم بن المبارك‏)‏ الباهلي مولاهم أبو صالح الخاشتي بفتح الخاء وكسر الشين وآخره مثناة وخاشت من محال بلخ، صدوق ربما وهم من العاشرة ‏(‏عن أبي بكر بن أبي مريم‏)‏ قال في التقريب‏:‏ أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي وقد ينسب إلى جده قيل اسمه بكير، وقيل عبد السلام ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط من السابعة ‏(‏عن الوليد بن سفيان‏)‏ بن أبي مريم الغساني، شامي مجهول من السادسة ‏(‏عن يزيد بن قطيب‏)‏ بفتح الطاء مصغراً الكوفي مقبول من السادسة ‏(‏عن أبي بحرية‏)‏ بفتح الموحدة وسكون المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية قال في الخلاصة‏:‏ عبد الله بن قيس الكندي التراغمي بفتح التحتانية والمعجمة الأولى وكسر الثانية أبو بحرية الحمصي شهد الجابية، روى عن معاذ بن جبل وثقه ابن معين‏.‏ وقال في المغني‏:‏ في نسبته التراغمي بضم فوقية وخفة راء وكسر غين معجمة في آخرها ميم منسوب إلى تراغم بن كذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الملحمة‏)‏ أي الوقعة العظيمة القتل ‏(‏العظمى‏)‏ وفي الجامع الصغير للسيوطي الكبرى قال المناوي في شرحه أي الحرب العظيم ‏(‏وفتح القسطنطينة‏)‏ بضم القاف وسكون السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية بينهما نون ساكنة وبعد الطاء الثانية تحتية ساكنة ثم نون قال النووي‏:‏ هكذا ضبطناه وهو المشهور ونقله القاضي في المشارق عن المتقنين والأكثرين وعن بعضهم زيادة ياء مشددة بعد النون، وهي مدينة مشهورة من أعظم مدائن الروم ‏(‏في سبعة أشهر‏)‏ أي هذه الأمور الثلاثة تكون في سبعة أشهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن الصعب بن جثامة وعبد الله بن بسر وعبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري‏)‏ أما حديث الصعب بن جثامة فأخرجه أحمد عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا يخرج الدجال حتى تذهل الناس عن ذكره وحتى يترك الأئمة ذكره على المنابر‏.‏ وأما حديث عبد الله بن بسر فأخرجه أبو داود عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في السابعة‏.‏ وأخرجه أيضاً ابن ماجة‏.‏ وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه مسلم‏.‏ وأما حديث أبي سعيد الخدري فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أبو داود وابن ماجة قال المنذري‏:‏ في إسناده أبو بكر بن أبي مريم ولا يحتج بحديثه‏.‏ قلت وفي سنده أيضاً الوليد بن سيفان وهو مجهول‏.‏

تنبيه‏:‏

فإن قلت بين حديث معاذ بن جبل المذكور في الباب وبين حديث عبد الله بن يسير الذي أشار إليه الترمذي تخالف ظاهر فإنه وقع في الأول سبعة أشهر وفي الثاني سبع سنين فما وجه الجمع‏.‏

قلت‏:‏ قال أبو داود بعد رواية حديث عبد الله بن بسر هذا أصح من حديث عيسى إنتهى‏.‏ أراد بحديث عيسى حديث معاذ بن جبل المذكور الذي رواه قبل حديث عبد الله بن بسر قال في فتح الودود‏:‏ هذه إشارة إلى جواب ما يقال بين الحديثين تناف فأشار إلى أن الثاني أرجح إسناداً فلا يعارضه الأول انتهى‏.‏ وقال القاري ففيه ‏(‏أي في قول أبي داود هذا اصح‏)‏ دلالة على أن التعارض ثابت والجمع ممتنع، والأصح هو المرجح‏.‏ وحاصله أن بين الملحمة العظمى وبين خروج الدجال سبع سنين أصح من سبعة أشهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن يحيى بن سعيد‏)‏ بن قيس الأنصاري المدني كنيته أبو سعيد القاضي ثقة ثبث من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فتح القسطنطينة مع قيام الساعة‏)‏ أي مع قرب قيامها‏.‏

1486- باب مَا جَاءَ في فِتْنَةِ الدّجّال

2276- حَدّثنا عليّ بنُ حُجرٍ، أخبرنا الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ و عبدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا في حَدِيثِ الاَخَرِ عن عَبْدِ الرّحمَنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ عنْ يَحْيَى بنِ جَابِرٍ الطّائِيّ عنْ عَبْدِ الرحمنِ بنِ جُبَيرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبير بنِ نُفَيرٍ عَنْ النّوّاسِ بن سَمْعانَ الكِلاَبِيّ قالَ‏:‏ ‏"‏ذَكَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الدّجّالَ ذَاتَ غَداةٍ فَخفّضَ فيهِ وَرَفّعَ حتى ظَنَنّاهُ في طَائِفَةِ النّخْلِ، قَالَ فانْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم رَجَعْنَا إِلَيْهِ فَعرَف ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ‏:‏ مَا شَأْنُكُمْ‏؟‏ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ الله ذَكَرْتَ الدّجّالَ الغَدَاةَ فَخفّضْتَ وَرَفّعْتَ حَتّى ظَنَنّاهُ في طَائِفَةِ النّخْلِ قَالَ‏:‏ غَيْرُ الدّجّالِ أَخْوَفُ لِي عَلَيْكُمْ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجيجُ نَفْسِهِ، وَالله خَلِيفَتِي عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ، إِنّهُ شَابّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَائِفَة شَبِيهٌ بِعَبْدِ العُزّي بنِ قَطَنٍ، فَمَنْ رَآهُ مِنكُمْ فَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ سُورَةِ أَصْحَابِ الكَهْفِ‏.‏ قَالَ‏:‏ يَخْرُجُ مَا بَيْنَ الشّامِ وَالعِرَاقِ فَعَاثَ يَميناً وَشِمَالاً، يَا عِبَادَ الله اثْبَثُوا‏.‏ قال‏:‏ قلْنَا يَا رَسُولَ الله وَمَا لَبْثُهُ في الأَرْضِ‏؟‏ قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْماً يَوْمٌ كسنة ويوم كَشَهْرِ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَامِهِ كَأَيّامِكُمْ‏.‏ قَالَ قَلْنَا يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ اليَوْمَ الّذِي كالسّنَةِ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ‏؟‏ قَالَ لاَ، وَلَكِنْ اقدُرُوا لَهُ‏.‏ قُلْنَا يَا رَسُولَ الله فَمَا سُرْعَتُهُ في الأرْضِ‏؟‏ قَالَ كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الريحُ فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيُكَذّبُونَهُ وَيَرُدّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَتَتْبَعُهُ أَمْوَالُهُمْ ويُصْبِحُونَ لَيْسَ بِأَيْدِيهُمْ شَيءٌ‏.‏ ثُمّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَسْتَجِبيُونَ لَهُ وَيُصَدّقُونَهُ فَيَأْمُرُ السّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ وَيَأْمُرُ الأرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ كَأَطْوَلِ مَا كَانَتْ ذُرًى وَأَمَدّهِ خَوَاصِرَ وَأَدَرّهِ ضُرُوعاً، قال ثم يَأْتِي الْخَرِبَةَ فَيَقُولُ لَهَا أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فينْصَرِفُ مِنْهَا فيَتْبَعُهُ كيَعَاسِيبِ النّحْلِ، ثمّ يَدْعُو رَجُلاً شَابَا مُمْتَلِئاً شَبَاباً فَيَضْرِبُهُ بِالسّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْنِ، ثُمّ يَدْعُوهُ فيُقْبِلُ يَتَهَلّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هَبْطَ عِيَسَى بنُ مَرْيَمَ عليه السلام بِشَرْقِيّ دِمَشْقَ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ بَيْنَ مَهْرُ ودَتَيْنِ وَاضِعاً يَدَيه عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قطر وإِذَا رَفَعَهُ تَحَدّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كالّلؤْلُؤِ، قَالَ‏:‏ وَلاَ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ يعني أَحَد إِلاّ مَاتَ، وَرِيحُ نَفَسِهِ مُنْتَهَى بَصَرِهِ، قَالَ‏:‏ فَيَطْلُبُهُ حَتّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍ فَيَقْتُلَهُ‏.‏ قَالَ فَيَلْبَثُ كَذَلِكَ مَا شَاءَ الله‏؟‏ قَالَ ثُمّ يُوحِي الله إِلَيْهِ أَنْ حَوّزَ عِبَادِيَ إِلَى الطّورِ فَإِني قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَاداً لِي لاَ بَدَ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، قَالَ‏:‏ وَبَيْعَثُ الله يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ كمَا قَالَ‏:‏ الله وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُون، قَالَ‏:‏ وَيَمُرّ أَوّلُهُمْ بِبُحَيْرَةِ الطّبَريّةِ فَيَشْرَبُ مَا فِيهَا ثم فَيمُرّ بِهَا آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرّةً مَاءٌ ثَمّ يَسِيرُونَ حَتّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَيَقُولُونَ لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ فَهَلُمّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السّمَاءِ فَيَرْمُونَ بِنُشّابِهِمْ إِلَى السّمَاءِ فَيَردّ الله عَلَيْهِمْ نُشّابَهُمْ مُحْمَرّا دَماً، وَيُحَاصَرُ عيسَى بنُ مَرْيَمَ وَأَصْحَابُهُ حَتّى يَكُونَ رَأْسُ الثّوْرِ يَوْمَئِذٍ خَيْراً لأَحَدِكُمْ مِنْ مَائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمْ اليَوْمَ‏.‏ قالَ‏:‏ فَيَرْغَبُ عيسَى بنُ مَرْيَمَ إِلَى الله وَأَصْحَابُهُ قَالَ‏:‏ فيُرْسِلُ الله عَلَيْهِم النّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى مَوْتى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، قال‏:‏ وَيَهْبِطُ عِيسَى وَأَصْحابُهُ فلا يَجِدُ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلاّ وقد مَلأَتْهُ زَهْمتُهُمْ وَنَتْنُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ‏.‏

قَالَ‏:‏ فَيَرْغَبُ عيسَى إِلَى الله وَأَصْحَابُهُ قَالَ فيُرْسِلُ الله عَلَيْهِمْ طَيْراً كأعْنَاقِ البُخْتِ قال فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ بالمَهْبِلِ وَيَسْتَوقِدُ المسْلِمُونَ مِنْ قِسيّهمْ وَنُشّابِهِمْ وَجِعَابِهِمْ سَبْعَ سنِينَ قال وَيُرْسِلُ الله عَلَيْهِمْ مَطَراً لاَ يُكَنّ مِنْهُ بَيْتُ وَبَرٍ وَلاَ مَدَرٍ، قَالَ فَيَغْسِلُ الأَرْضَ فَيَتْرُكُهَا كَالَزلَفَةِ، قَالَ‏:‏ ثمّ يُقَالُ لِلأَرْضِ أَخْرِجِي ثَمَرَتَكِ وَرُدّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصَابَةُ الرّمّانَة وَيَسْتَظِلّونَ بِقِحْفِهَا وَيُبَارِكُ فِي الرّسْلِ حَتّى أنّ الفِئَامَ مِنَ النّاسِ لَيَكْتَفُونَ باللقْحَةِ مِنَ الإِبِل وَأَنّ القَبِيلَةَ لَيَكْتَفُونَ باللّقْحَةِ مِنَ الْبَقَرِ، وإِنّ الْفَخِذَ لَيَكْتَفُونَ بالّلقْحَةِ مِنَ الغَنَمِ، فَبَيْنَما هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ الله رِيحاً فَقَبَضَتْ رُوحَ كُلّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى سائرُ النّاسِ يَتَهَارَجُونَ كَمَا يَتَهَارَجُ الْحُمرُ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السّاعَةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ‏.‏ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرحمنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا الوليد مسلم‏)‏ القرشي الدمشقي ‏(‏وعبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر‏)‏ الأزدي أبو إسماعيل الدمشقي قال النسائي لا بأس به كذا في الخلاصة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذات غداة‏)‏ كلمة ذات مقحمة ‏(‏فخفض فيه ورفع‏)‏ بتشديد الفاء فيهما وفي معناه قولان أحدهما إن خفض فيه بمعنى حقره وقوله رفعه أي عظمه وفخمه فمن تحقيره وهو أنه على الله تعالى عوده، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هو أهون على الله من ذلك، وإنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل ثم يعجز عنه، وإنه يضمحل أمره ويقتل بعد ذلك هو وأتباعه، ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة وإنه ما من نبي إلا وقد أنذره قومه والوجه الثاني أنه خفض من صوته في حال كثرة ما تكلم فيه، فخفض بعد طول الكلام والتعب ليستريح ثم رفع ليبلغ صوته كمالاً ‏(‏في طائفة النخل‏)‏ أي ناحيته وجانبه ‏(‏ثم رحنا إليه‏)‏ من راح يروح قال في القاموس‏:‏ رحت القوم وإليهم وعندهم روحاً ورواحاً ذهبت إليهم رواحاً كروحتهم وتروحتهم‏.‏ وقال فيه‏:‏ والرواح العشي أو من الزوال إلى الليل انتهى ‏(‏فعرف ذلك‏)‏ أي أثر خوف الدجال ‏(‏إن يخرج وأنا فيكم‏)‏ أي موجود فيم بينكم فرضاً وتقديراً ‏(‏فأنا حجيجه‏)‏ فعيل بمعنى الفاعل من الحجة وهي البرهان أي غالب عليه بالحجة ‏(‏دونكم‏)‏ أي قدامكم ودافعه عنكم وفيه أرشاد أنه صلى الله عليه وسلم كان في المحاجة معه غير محتاج إلى معاونة معاون من أمته في إلى غلبته عليه بالحجة ‏(‏فأمرؤ حجيج نفسه‏)‏ بالرفع أي فكل امرئ يحاجه ويحاوره ويغالبه لنفسه ‏(‏والله خليفتي على كل مسلم‏)‏ يعني والله سبحانه وتعالى ولي كل مسلم وحافظه فيعينه عليه ويدفع شره ‏(‏إنه‏)‏ أي الدجال ‏(‏شاب قطط‏)‏ بفتح القاف والطاء أي شديد جعودة الشعر ‏(‏عينه قائمة‏)‏ أي باقية في موضعها وفي رواية مسلم‏:‏ عينه طافئة أي مرتفعة ‏(‏شبيه بعبد العزى بن قطن‏)‏ بفتحتين‏.‏

قال الطيبي‏:‏ قيل إنه كان يهودياً‏.‏ قال القاري‏:‏ ولعل الظاهر أنه مشترك لأن العزى اسم صنم ويؤيده في بعض ما جاء في الحواشي هو رجل من خزاعة هلك في الجاهلية انتهى ‏(‏فليقرأ فواتح سورة أصحاب الكهف‏)‏ أي أوائلها قال الطيبي المعنى أن قراءته أمان له من فتنته كما آمن تلك الفتية من فتنة دقيانوس الجبار ‏(‏فعاث يميناً وشمالاً‏)‏ قال النووي هو بعين مهملة وثاء مثلثة مفتوحة وهو فعل ماض والعيث الفساد أو أشد الفساد والإسراع فيه يقال منه عاث يعيث وحكى القاضي أنه رواه بعضهم فعاث بكسر الثاء منونة اسم فاعل وهو بمعنى الأول ‏(‏يا عباد الله البثوا‏)‏ من اللبث وهو المكث والفعل لبث كسمع وهو نادر لأن المصدر من فعل بالكسر قياسه بالتحريك إذ لم يتعدد‏.‏ وفي رواية مسلم يا عباد الله فاثبتوا من الثبات وكذا في المشكاة‏:‏ قال القاري أي أيها المؤمنون الموجودون في ذلك الزمان أو أنتم أيها المخاطبون على فرض أنكم تدركون ذلك الأوان فاثبتوا على دينكم وإن عاقبكم قال الطيبي‏:‏ هذا من الخطاب العام أراد به من يدرك الدجال من أمته ثم قيل هذا القول منه استمالة لقلوب أمته وتثبيتهم على ما يعاينونه من شر الدجال وتوطينهم على ما هم فيه من الإيمان بالله تعالى واعتقاده وتصديق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما لبسه بفتح لام وسكون موحدة أي ما قدر مكثه وتوقفه ‏(‏قال أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم‏)‏ فإن قلت هذا الحديث يدل على أن الرجال يمكث أربعين يوماً وحديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة في النار‏.‏ رواه في شرح السنة يدل على أنه يمكث أربعين سنة فما وجه الجمع بينهما‏؟‏ قلت قال القاري‏:‏ لعل وجه الجمع بينهما اختلاف الكمية والكيفية كما يشير إليه قوله‏:‏ السنة كالشهر فإنه محمول على سرعة الانقضاء كما أن قوله يوم كسنة محمول على أن الشدة في غاية من الاستقصاء على أنه يمكن اختلافه باختلاف الأحوال والرجال قاله في شرح حديث أسماء بنت يزيد المذكور وقال في شرح حديث النواس بن سمعان الذي رواه مسلم وفيه أربعين يوماً ما لفظه‏:‏ والحديث الذي نقله البغوي في شرح السنة لا يصلح أن يكون معارضاً لرواية مسلم هذه وعلى تقدير صحته لعل المراد بأحد المكثين مكث خاص على وصف معين مبين عند العالم به انتهى‏.‏

قلت‏:‏ المعتمد هو أن رواية البغوي لا يصلح أن يكون معارضاً لحديث مسلم والله تعالى أعلم‏.‏

قال النووي‏:‏ قال العلماء هذا الحديث على ظاهره وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وسائر أيامه كأيامكم ‏(‏ولكن أقدروا له‏)‏ قال النووي‏:‏ قال القاضي وغيره هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع‏.‏ قالوا لولا هذا الحديث ووكلنا إلى أجتهادنا لاقتصرنا فيه على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام، ومعنى أقدروا له أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح ثم الظهر ثم العصر ثم المغرب‏.‏ وهكذا حتى ينقضي ذلك اليوم وقد وقع فيه صلوات سنة فرائض كلها مؤداة في وقتها‏.‏ وأما الثاني الذي كشهر والثالث الذي كجمعة فقياس اليوم الأول أن يقدر لهما كاليوم الأول على ما ذكرناه انتهى ‏(‏فما سرعته في الأرض‏)‏ قال الطيبي لعلهم علموا أنه له إسراعاً في الأرض فسألوا عن كيفيته كما كانوا عالمين بلبثه فسألوا عن كميته بقولهم ما لبثه أي مامدة لبثه ‏(‏قال كالغيث‏)‏ المراد به هنا الغيم إطلاقاً للسبب على المسبب أي يسرع في الأرض إسراع الغيم ‏(‏استدبرته الريح‏)‏ قال ابن الملك الجملة حال أو صفة للغيث وأل فيه للعهد الذهني والمعنى أن هذا مثال لا يدرك كيفيته ولا يمكن تقدير كميته ‏(‏فيأتي‏)‏ أي الدجال ‏(‏فيدعوهم‏)‏ أي إلى دعوى ألوهيته ‏(‏ويردون عليه قوله‏)‏ أي لا يقبلونه أو يبطلونه بالحجة ‏(‏ثم يأتي القوم‏)‏ أي قوماً أخرين ‏(‏فيستجيبون له‏)‏ فيقبلون ألوهيته ‏(‏فيأمر السماء‏)‏ أي السحاب ‏(‏فتمطر‏)‏ من الأمطار حتى تجري الأنهار ‏(‏فتنبت‏)‏ من الإنبات ‏(‏فتروح عليهم سارحتهم‏)‏ أي فترجع بعد زوال الشمس إليهم ماشيتهم التي تذهب بالغدوة إلى مراعيها ‏(‏كأطول ما كانت‏)‏ أي السارحة من الإبل ‏(‏ذرى‏)‏ بضم الذال المعجمة وحكى كسرها وفتح الراء منوناً جمع ذروة مثلثة وهي أعلى السنام، وذروة كل شيء أعلاه، وهو كناية عن كثرة السمن ‏(‏وأمده‏)‏ أي وأمد ما كانت، وهو اسم تفضيل من المد ‏(‏خواصر‏)‏ جمع خاصرة، وهي ما تحت الجنب، ومدها كناية عن الامتلاء وكثرة الأكل ‏(‏وأدره‏)‏ أفعل التفضيل من الدر، وهو اللبن ‏(‏ضروعاً‏)‏ بضم أوله جمع ضرع‏:‏ وهو الثدي كناية عن كثرة اللبن ‏(‏ثم يأتي الخربة‏)‏ بكسر الراء أي الأرض الخربة والبقاع الخربة ‏(‏أخرجي كنوزك‏)‏ بضم الكاف جمع كنز أي مدفونك أو معادنك ‏(‏فينصرف‏)‏ أي الدجال ‏(‏منها‏)‏ أي من الخربة ‏(‏فتتبعه‏)‏ الفاء فصيحة، أي فتخرج الكنوز فتعقب الدجال ‏(‏كيعاسيب النحل‏)‏ أي كما يتبع النحل اليعسوب واليعسوب‏:‏ أمير النحل وذكرها الرئيس الكبير، كذا في القاموس، والمراد هنا أمير النحل، قال القاري‏:‏ وفي الكلام نوع قلب إذ حق الكلام كنحل اليعاسيب انتهى‏.‏ ‏(‏ثم يدعو‏)‏ أي يطلب ‏(‏ممتلئاً شباباً‏)‏‏.‏ قال الطيبي‏:‏ هو الذي يكون في غاية الشباب ‏(‏فيضربه بالسيف‏)‏ أي غضباً عليه لإبائه قبول دعوته الألوهية، أو إظهاراً للقدرة وتوطئة لخرق العادة ‏(‏فيقطعه جزلتين‏)‏ بفتح الجيم وتكسر أي قطعتين، وفي رواية مسلم‏:‏ جزلتين رمية الغرض‏.‏ قال القاري‏:‏ أي قدر حذف الهدف، فهي منصوبة بقدر، وفائدة التقييد به أن يظهر عند الناس أنه هلك بلا شبهة كما يفعله السحرة والمشعبذة‏.‏ وقال النووي‏:‏ معنى رمية الغرض أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رميته- هذا هو الظاهر المشهور‏.‏ وحكى القاضي هذا، ثم قال‏:‏ وعندي أن فيه تقديماً وتأخيراً، وتقديره فيصيبه إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين‏.‏ والصحيح الأول انتهى، فيقبل أي الرجل الشاب على الدجال ‏(‏يتهلل‏)‏ أي يتلألأ ويضيء ‏(‏يضحك‏)‏ حال من فاعل يقبل، أي يقبل ضاحكاً بشاشاً فيقول هذا كيف يصلح إلهاً ‏(‏فبينما هو‏)‏ أي الرجل ‏(‏كذلك‏)‏ أي على ذلك الحال ‏(‏إذ هبط‏)‏ أي نزل ‏(‏بشرقي‏)‏ بالإضافة ‏(‏دمشق‏)‏ بكسر الدال وفتح الميم، وهذا هو المشهور‏:‏ وحكى صاحب المطالع‏:‏ كسر الميم‏.‏ وهذا الحديث من فضائل دمشق ‏(‏عند المنارة‏)‏ بفتح الميم‏.‏ قال النووي‏:‏ هذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق‏.‏ وقال القاري‏:‏ ذكر السيوطي في تعليقه على ابن ماجة أنه قال الحافظ ابن كثير في رواية أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل ببيت المقدس‏.‏ وفي رواية بالأردن‏.‏ وفي رواية بمعسكر المسلمين‏.‏

قلت‏:‏ حديث نزول ببيت المقدس عند ابن ماجة، وهو عندي أرجح، ولا ينافي سائر الروايات، لأن ببيت المقدس شرقي دمشق وهو معسكر المسلمين أذ ذاك، والأردن اسم الكورة كما في الصحاح، وبيت المقدس داخل فيه، وإن لم يكن في بيت المقدس الاَن منارة، فلا بد أن تحدث قبل نزوله انتهى‏.‏ ‏(‏بين مهرودتين‏)‏ قال النووي‏:‏ المهرودتان روى بالدال المهملة والذال المعجمة والمهملة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة والغريب وغيرهم، وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة كما هو المشهور، ومعناه لابس مهرودتين‏:‏ أي ثوبين مصبوغين بورس، ثم بزعفران‏.‏ وقيل هما شقتان، والشقة نصف الملاءة‏.‏ وقال الجزري في النهاية قال ابن الأنباري‏:‏ القول عندنا في الحديث بين مهرودتين‏:‏ يروى بالدال والذال أي بين ممصرتين على ما جاء في الحديث ولم نسمعه إلا فيه، وكذلك أشياء كثيرة لم تسمع إلا في الحديث، والممصرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة، وقيل المهرود الثوب الذي يصبغ بالعروق، والعروق يقال لها الهرد انتهى‏.‏ ‏(‏واضعاً يده‏)‏ وفي رواية مسلم كفيه ‏(‏إذا طأطأ‏)‏ بهمزتين أي خفض ‏(‏تحدر‏)‏ ماض معلوم من التحدر، أي نزل وقطر ‏(‏جمان كاللؤلؤ‏)‏ بضم الجيم وتخفيف الميم هي حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار‏.‏ والمراد يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفاته، فسمي الماء جماناً لشبهه به في الصفاء ‏(‏ريح نفسه‏)‏ بفتح النون والفاء ‏(‏يعني أحد‏)‏ هذا بيان لفاعل يجد من بعض الرواة، أي لا يجد أحد من الكفار ‏(‏إلا مات‏)‏ قال القاري‏:‏ من الغريب أن نفس عيسى عليه الصلاة والسلام تعلق به الإحياء لبعض والإماتة لبعض ‏(‏وريح نفسه منتهى بصره‏)‏‏.‏ وفي رواية مسلم‏:‏ ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه ‏(‏فيطلبه‏)‏ أي يطلب عيسى عليه الصلاة والسلام الدجال ‏(‏حتى يدركه بباب لد‏)‏ قال النووي‏:‏ هو بضم اللام وتشديد الدال مصروف وهو بلدة قريبة من بيت المقدس‏.‏

وقال في النهاية‏:‏ لد موضع بالشام وقيل بفلسطين ‏(‏أن حوز عبادي إلى الطور‏)‏ بفتح الحاء المهملة وكسر الواو المشددة وبالزاي أمر من التحويز أي نحهم وأزلهم عن طريقهم إلى الطور ‏(‏قد أنزلت عباداً لي‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ قد أخرجت عباداً لي أي أظهرت جماعة وهم يأجوج ومأجوج ‏(‏لا يدان‏)‏ بكسر النون تثنية يد، قال العلماء معناه لا قدرة ولا طاقة يقال‏:‏ مالي بهذا الأمر يد ومالي به يدان‏.‏ لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد، وكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه ‏(‏وهم من كل حدب‏)‏ بفتحتين أي مكان مرتفع من الأرض ‏(‏ينسلون‏)‏ أي يمشون مسرعين ‏(‏ببحيرة الطبرية‏)‏ بالإضافة وبحيرة تصغير بحرة وهي ماء مجتمع بالشام طوله عشرة أميال والطبرية بفتحتين اسم موضع ‏(‏فهلم‏)‏ أي تعال والخطاب لأميرهم وكبيرهم، أو عام غير مخصوص بأحدهم‏.‏ وفي النهاية فيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد مبنى على الفتح وبنوتميم تثني وتجمع وتؤنث تقول هلم وهلمي وهلما وهلموا ‏(‏فيرمون بنشابهم‏)‏ بضم فتشديد مفرده نشابة والباء زائدة أي سهامهم ‏(‏ويحاصر‏)‏ بصيغة المجهول أي يحبس في جبل الطور ‏(‏حتى يكون رأس الثور يومئذ خيراً لهم من مائة دينار ‏(‏لأحدكم اليوم‏)‏‏)‏ قال التوربشتي‏:‏ أي تبلغ بهم الفاقة إلى هذا الحد‏.‏ إنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة ‏(‏فيرغب عيسى بن مريم إلى الله وأصحابه‏)‏ قال القاضي‏:‏ أي يرغبون إلى الله تعالى في إهلاكهم وإنجائهم عن مكابدة بلائهم، ويتضرعون إليه فيستجيب الله فيهلكهم بالنغف كما قال ‏(‏فيرسل الله عليهم‏)‏ أي على يأجوج ومأجوج ‏(‏النغف‏)‏ بنون وغين معجمة مفتوحتين ثم فاء وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم الواحدة نغف ‏(‏فيصحون فرسى‏)‏ كهلكى وزناً ومعنى، وهو جمع فريس كقتيل وقتلى من فرس الذئب الشاة إذا كسرها وقتلها ومنه فريسة الأسد ‏(‏كموت نفس واحدة‏)‏ لكمال القدرة وتعلق المشيئة قال تعالى ‏{‏ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة‏}‏ ‏(‏ويهبط‏)‏ أي ينزل من الطور ‏(‏وقد ملأئه زهمتهم‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ زهمهم بغير التاء‏.‏ قال النووي‏:‏ هو بفتح الهاء أي دسمهم ورائحتهم الكريهة ‏(‏فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت‏)‏ بضم موحدة وسكون معجمة نوع من الأبل أي طيراً أعناقها في الطول والكبر كأعناق البخت، والطير جمع طائرة وقد يقع على الواحد ‏(‏فتطرحهم بالمهبل‏)‏ بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الموحدة قال في النهاية هو الهوة الذاهبة في الأرض ‏(‏ويستوقد المسلمون من قسيهم‏)‏ بكسرتين فتشديد تحتية جمع قوس والضمير ليأجوج ومأجوج ‏(‏ونشابهم‏)‏ أي سهامهم ‏(‏وجعابهم‏)‏ بكسر الجيم جمع جعبة بالفتح وهي ظرف النشاب ‏(‏لا يكن‏)‏ بفتح الياء وضم الكاف وتشديد النون من كننت الشيء أي سترته وصنته عن الشمس وهي من أكننت الشيء بهذا المعنى والمفعول محذوف والجملة صفة مطراً أي لا يستر ولا يصون شيئاً ‏(‏منه‏)‏ أي من ذلك المطر ‏(‏بيت وبر‏)‏ أو صوف أو شعر ‏(‏ولا مدر‏)‏ بفتح الميم والدال وهو الطين الصلب، والمراد تعميم بيوت أهل البدو والحضر ‏(‏فيغسل‏)‏ أي المطر ‏(‏فيتركها كالزلفة‏)‏ بفتح الزاي واللام ويسكن وبالفاء وقيل بالقاف وهي المرآة بكسر الميم وقيل ما يتخذ لجمع الماء من المصنع، والمراد أن الماء يعم جميع الأرض بحيث يرى الرائي وجهه فيه ‏(‏تأكل العصابة‏)‏ بكسر العين أي الجماعة ‏(‏ويستظلون بقحفها‏)‏ بكسر القاف أي بقشرها‏.‏ قال النووي هو مقعر قشرها شبهها بقحف الاَدمي وهو الذي فوق الدماغ‏.‏ وقيل ما انفلق من جمجمته وانفصل انتهى ‏(‏ويبارك في الرسل‏)‏ بكسر الراء وسكون السين أي اللبن ‏(‏حتى إن الفئام‏)‏ بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة وهي الجماعة الكثيرة ‏(‏ليكتفون باللقحة‏)‏ بكسر اللام وفتحها لغتان مشهورتان والكسر أشهر، وهي القريبة العهد بالولادة وجمعها لقح بكسر اللام وفتح القاف كبركة وبرك واللقوح ذات اللبن وجمعها لقاح ‏(‏وإن الفخذ‏)‏ قال النووي‏:‏ قال أهل اللغة الفخذ الجماعة من الأقارب وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة‏.‏ قال القاضي‏:‏ قال ابن فارس‏:‏ الفخذ هنا بإسكان الخاء لا غير فلا يقال إلا بإسكانها بخلاف الفخذ التي هي العضو فإنها تكسر وتسكن انتهى‏.‏ ‏(‏ويبقى سائر الناس‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ ويبقى شراً الناس ‏(‏يتهارجون كما يتهارج الحمر‏)‏ أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير ولا يكترثون لذلك‏.‏ والهرج بإسكان الراء الجماع، يقال هرج زوجته أي جامعها يهرجها بفتح الراء وضمها وكسرها ‏(‏فعليهم تقوم الساعة‏)‏ أي لا على غيرهم‏.‏ وفي حديث ابن مسعود‏:‏ لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس‏.‏ وفي حديث أنس‏:‏ لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله‏.‏ رواهما مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم‏.‏

1487- باب ماجَاءَ في صِفَةِ الدّجّالِ

2277- حَدّثنا محمدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصّنْعَانِيّ، حدثنا المُعْتِمرُ بنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيدِ الله بنِ عُمرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابنِ عُمرَ، عَنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ سُئِلَ عن الدّجّالِ فَقَالَ‏:‏ ‏"‏أَلاَ إِنّ رَبّكُمْ لَيْسَ بأَعْوَرَ أَلاَ وَإِنّهُ أَعْوَرُ عَيْنُهُ اليُمْنَى كأَنّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عَنْ سَعْدٍ وَحُذَيْفَة وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَسْمَاءَ وَجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله وأبي بَكْرَةَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَابنِ عَبّاسٍ وَالفَلْتَانِ بنِ عَاصِمٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حديث عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كأنها عنبة‏)‏ أي شبيهة بها ‏(‏طافية‏)‏ بكسر الفاء وبالتحتية، قال الحافظ في الفتح‏:‏ قوله كأن عينه عنبة طافية بياء غير مهموزة أي بارزة ولبعضهم بالهمز أي ذهب ضوؤها‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ رويناه عن الأكثر بغير همز وهو الذي صححه الجمهور وجزم به الأخفش ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العنب من بين أخواتها‏.‏ قال‏:‏ وضبطه بعض الشيوخ بالهمز وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره فقد جاء في آخر‏:‏ أنه ممسوح العين مطموسة وليست جحراء ولا ناتئة‏.‏ وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها وهو يصحح رواية الهمز قلت الحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديث عبادة بن الصامت ولفظه‏:‏ رجل قصير أفحج بفاء ساكنة ثم مهملة مفتوحة ثم جيم من الفحج وهو تباعد ما بين الساقين أو الفخذين‏.‏ وقيل‏:‏ تداني صدور القدمين مع تباعد العقبين وقيل هو الذي في رجله أعوجاج‏.‏ وفي الحديث المذكور‏:‏ جعله أعور مطموس العين ليست بناتئة- بنون ومثناة- ولا جحراء بفتح الجيم وسكون المهملة ممدودة أي عميقة، وبتقديم الحد أي ليست متصلبة‏.‏ وفي حديث عبد الله بن مغفل‏:‏ ممسوح العين، وفي حديث سمرة مثله، وكلاهما عند الطبراني ولكن في حديثهما‏:‏ أعور العين اليسرى‏.‏ ومثله لمسلم من حديث حذيفة، وهذا بخلاف قوله في حديث الباب‏:‏ أعور العين اليمنى‏.‏ وقد اتفقا عليه من حديث ابن عمر فيكون أرجح، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر لكن جمع بينهما القاضي عياض فقال‏:‏ تصحح الروايتان معاً بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز أي التي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى كما في حديث ابن عمر وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب وكأنها نخامة في حائط هي الطافية، بلا همز وهي العين اليسرى كما جاء في الرواية الأخرى وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معاً فكل واحدة منهما عوراء أي معيبة‏.‏ فإن الأعور من كل شيء المعيب وكلا عيني الدجال معيبة فإحداهما معيبة بذهاب ضوئها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها انتهى‏.‏ قال النووي‏:‏ هو في نهاية الحسن إنتهى كلام الحافظ‏.‏ وقد بسط الكلام هنا في الفتح من شاء الوقوف عليه فليراجعه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سعد وحذيفة الخ‏)‏ أما حديث سعد وهو ابن أبي وقاص فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث حذيفة فأخرجه الشيخان‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان أيضاً‏.‏ وأما حديث أسماء وهي بنت يزيد بن السكن فأخرجه البغوي في شرح السنة وتقدم لفظه‏.‏ ولها حديث آخر ذكره صاحب المشكاة في الفصل الثاني من باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال‏.‏ وأما حديث جابر فأخرجه أيضاً في شرح السنة‏.‏ وأما حديث أبي بكرة فأخرجه الترمذي في باب ذكر ابن صياد‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي بعد بابين‏.‏ وأما أحاديث بقية الصحابة فلينظر من أخرجها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1488- باب مَا جَاءَ في الدّجّال لا يَدْخُلُ المَدِينَة

2278- حَدّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله الْخُزَاعيّ البصري، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يَأْتِي الدّجّالُ المَدِينَةَ فَيَجِدُ المَلاَئِكَةَ يَحْرُسُونَهَا، فَلاَ يَدْخُلُهَا الطّاعُونُ وَلاَ الدّجّالُ إِنْ شَاءَ الله‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ وَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ وَ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ وَ مِحْجَنٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

2279- حدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ محمدٍ عَنْ العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏الإيمَانُ يَمَانٍ وَالْكُفْرُ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، وَالسّكِينَةُ لأَهْلِ الغَنَمِ وَالفَخْرُ وَالرّيَاءُ في الفَدّادِين أَهْلِ الْخَيْلِ وَأَهْلِ الوَبَرِ، يَأْتِي المَسِيحُ أي الدّجّالُ إِذَا جَاءَ دُبُرَ أُحُدٍ صَرَفَتْ المَلاَئِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشّامِ وَهُنَالِكَ يَهْلَكُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فيجد الملائكة يحرسونها‏)‏ في حديث محجن الأدرع عند أحمد، والحاكم في ذكر المدينة ولا يدخلها الدجال إن شاء الله، كلما أراد دخولها تلقاه بكل نقب من نقابها ملك مصلت سيفه يمنعه عنها‏.‏ وعند الحاكم من طريق أبي عبد الله القراظ سمعت سعد بن مالك وأبا هريرة يقولان‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم بارك لأهل المدينة الحديث‏.‏ وفيه‏:‏ إلا أن الملائكة مشتبكة بالملائكة على كل نقب من أنقابها ملكان يحرسانها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال‏.‏ قال ابن العربي يجمع بين هذا وبين قوله على كل نقب ملكاً، إن سيف أحدهما مسلول والاَخر بخلافه ‏(‏فلا يدخلها الطاعون ولا الدجال إن شاء الله‏)‏ قيل هذا الاستثناء محتمل للتعليق ومحتمل للتبرك وهو أولى‏.‏ وقيل إنه يتعلق بالطاعون فقط وفيه نظر وحديث محجن بن الأدرع المذكور آنفاً يؤيد أنه لكل منهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وفاطمة بنت قيس الخ‏)‏ أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وأما حديث فاطمة بنت قيس فأخرجه مسلم وفيه ذكر الجساسة والدجال وفيه‏:‏ وإني مخبركم عني إني أنا المسيح الدجال فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة‏.‏ وأما حديث محجن فأخرجه أحمد والحاكم وقد تقدم لفظه‏.‏ وأما حديث أسامة بن زيد فلينظر من أخرجه‏.‏ وأما حديث سمرة بن جندب فأخرجه أحمد في مسنده ص17 ج5‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الإيمان يمان‏)‏ هو نسبة الإيمان إلى اليمن لأن أصل يمان يمني فحذفت ياء النسب وعوض بالألف بدلها فلا يجتمعان‏.‏ وفي رواية للشيخين‏:‏ أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة، وألين قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية‏.‏ وفي أخرى لهما‏:‏ أتاكم أهل اليمن أضعف قلوباً وأرق أفئدة، الفقه يمان والحكمة يمانية‏.‏ وفي حديث أبي مسعود عند البخاري‏:‏ أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال‏:‏ الإيمان يمان ههنا‏.‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ أما ما ذكر من نسبة الإيمان إلى أهل اليمن فقد صرفوه عن ظاهره من حيث أن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة حرسها الله تعالى، فحكى أبو عبيد أمام الغريب ثم من بعده في ذلك أقوالاً‏.‏

أحدها‏:‏ أراد بذلك مكة فإنه يقال أن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن‏.‏

والثاني‏:‏ المراد مكة والمدينة فإنه يروى في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال‏:‏ الإيمان يمان فنسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذ من ناحية اليمن، كما قالوا الركن اليماني وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن‏.‏

والثالث‏:‏ ما ذهب إليه كثير من الناس وهو أحسنها عند أبي عبيد أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره‏.‏ قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ولو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولما تركوا الظاهر ولفظوا بأن المراد اليمن وأهل اليمن على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك إذ من ألفاظه‏:‏ أتاكم أهل اليمن والأنصار من جملة المخاطبين بذلك، فهم إذاً غيرهم، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ جاء أهل اليمن، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصفهم بما يقضى بكمال إيمانهم ورتب عليه الإيمان يمان وكان ذلك إشارة للإيمان إلى من أتاه من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة، ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة، لأن من اتصف بشيء وقوى قيامه به وتأكد اضطلاعه منه نسب ذلك الشيء إليه إشعاراً بتميزه به وكمال حاله فيه‏.‏ وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منه في حياته صلى الله عليه وسلم وفي أعقاب موته، كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبههما ممن سلم قلبه وقوي إيمانه فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعاراً بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم‏.‏ فلا منافاة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الإيمان في أهل الحجاز ثم المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان فإن اللفظ لا يقتضيه‏.‏ هذا هو الحق في ذلك ‏(‏والكفر من قبل المشرق‏)‏ وفي رواية للشيخين رأس الكفر قبل المشرق، وهو بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته، وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة وكانوا في غاية القوة والتجبر حتى مزق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت الفتن من قبل المشرق ‏(‏والسكينة لأهل الغنم‏)‏ السكينة تطلق على الطمأنينة والسكون والوقار والتواضع وإنما خص أهل الغنم بذلك لأنهم غالباً دون أهل الإبل في التوسع والكثرة، وهما من سبب الفخر والخيلاء وقيل أراد بأهل الغنم أهل اليمن لأن غالب مواشيهم الغنم بخلاف ربيعة ومضر فإنهم أصحاب إبل‏.‏ وروى ابن ماجة من حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها أتخذي الغنم فإن فيها بركة ‏(‏والفخر‏)‏ هو الافتخار وعد المآثر القديمة تعظيماً ‏(‏في الفدادين‏)‏ قال النووي الصواب في الفدادين بتشديد الدال جمع فداد بدالين أولاهما مشددة وهذا قول أهل الحديث والأصمعي وجمهور أهل اللغة وهو من الفديد وهو الصوت الشديد، فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم ونحو ذلك انتهى ‏(‏أهل الخيل وأهل الوبر‏)‏ بالجر بدل أو بيان والوبر بفتح الواو الموحدة شعر الإبل، أي ليسوا من أهل المدر، لأن العرب تعبر عن أهل الحضر بأهل المدد، وعن أهل البادية بأهل الوبر لأن بيوتهم غالباً خيام من الشعر ‏(‏يأتي المسيح‏)‏ أي الدجال وإنما سمي به لأن عينه الواحدة ممسوحة ‏(‏دبر أحد‏)‏ بضم الدال الموحدة، أي خلف أحد وهو بضمتين، جبل معروف بينه وبين المدنية أقل من فرسخ ‏(‏قبل الشام‏)‏ أي نحوه‏.‏

قوله‏:‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1489- باب ما جَاءَ في قَتْلِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ الدّجّال

2280- حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الّليْثُ عن ابنِ شِهَابٍ، أَنّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ ثَعْلَبَةَ الأنْصَارِيّ يُحَدّثُ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ يَزِيدَ الأنْصَارِيّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ قال‏:‏ سَمِعْتُ عَمّي مُجَمّعَ بنَ جَارِيَةَ الأنْصَارِيّ يقولُ‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏يَقْتُلُ ابنُ مَرْيَمَ الدّجّالَ بِبَابِ لُدّ‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وفي البابِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وَنَافِعِ بنِ عُتْبَةَ وأبي بَرْزَةَ وَحُذَيْفَةَ بنِ أبي أَسِيدٍ وأبي هُرَيْرَةَ وَكَيْسَانَ وَعُثْمانَ بنِ أبي الْعَاصِ وَجَابِرٍ وأبي أُمَامَةَ وَابنِ مَسْعُودٍ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو وَسَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ وَالنوّاسِ بنِ سَمْعَانَ وَعَمْرِو بنِ عَوْفٍ وَحُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنه سمع عبيد الله بن عبد الله بن ثعلبة الأنصاري‏)‏ المدني وقيل عبد الله ابن عبيد الله شيخ الزهري لا يعرف واختلف في إسناد حديثه من الثالثة ‏(‏عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري‏)‏ المدني هو أخو عاصم بن عمر لأمه يقال ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ‏(‏مجمع‏)‏ بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة بدل من عمي ‏(‏بن جارية‏)‏ بالجيم ابن عامر الأنصاري الأوسي المدني صحابي مات في خلافة معاوية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بباب لد‏)‏ تقدم ضبطه ومعناه في باب فتنة ‏(‏الدجال‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة الخ‏)‏ أما أحاديث عمران بن حصين ونافع بن عتبة وأبي برزة وعثمان بن أبي العاص وجابر وسمرة بن جندب وحذيفة بن اليمان فأخرجها أحمد في مسنده‏.‏ وأما حديث حذيفة بن أسيد فأخرجه الحاكم‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود‏.‏ وأما حديث أبي أمامة فأخرجه أبو داود وابن ماجة‏.‏ وأما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه كذا في الفتح‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم‏.‏ وأما حديث النواس بن سمعان فأخرجه الترمذي في باب فتنة الدجال‏.‏ وأما حديث كيسان وحديث عمرو بن عوف فلينظر من أخرجهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير‏.‏

1490- باب

2281- حدّثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ قال‏:‏ سَمِعْتُ أَنَساً قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا مِنْ نَبِيّ إِلاّ وَقَدْ أَنْذَرَ أُمّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذّابَ‏.‏ أَلاَ إِنّهُ أَعْوَرُ، وَإِنّ رَبّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ‏.‏ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنِيْهِ كافر‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور‏)‏ قال النووي‏:‏ هو بيان علامة تدل على كذب الدجال دلالة قطعية بديهية يدركها كل أحد، ولم يقتصر على كونه جسماً أو غير ذلك من الدلائل القطعية لكون بعض العوام لا يهتدي إليها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1491- باب ما جاءَ في ذِكْرِ ابْنِ صَائد

قال النووي في شرح مسلم‏:‏ يقال له ابن صياد وابن صائد وسُمي بها في الأحاديث وإسمه صاف‏.‏ قال العلماء وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة‏.‏

قال‏:‏ العلماء وظاهر الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحى إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا قال لعمر رضي الله تعالى عنه إن يكن هو فلن تستطيع قتله‏.‏ وأما احتجاجه بأنه هو مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له بنون، وأنه لا يدخل مكة والمدينة، وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة له فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض‏.‏ ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتشهد أني رسول الله ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشاً فوق الماء وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه‏.‏ وقوله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الاَن، وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال‏.‏

قال الخطابي‏:‏ واختلف السلف في أمره بعد كبره فروى عنه أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس، وقيل لهم اشهدوا‏.‏ قال وكان ابن عمر وجابر فيما روى عنهما يحلفان أن ابن صياد هو الدجال لا يشكان فيه، فقيل لجابر‏:‏ إنه أسلم فقال وإن أسلم، فقيل‏:‏ إنه دخل مكة وكان في المدينة‏.‏ فقال‏:‏ وإن دخل‏.‏ وروى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن جابر قال‏:‏ فقدنا ابن صياد يوم الحرة، وهذا يبطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلي عليه‏.‏ وقد روى مسلم في هذه الأحاديث أن جابر بن عبد الله حلف بالله تعالى أن ابن صياد هو الدجال وأنه سمع عمر رضي الله عنه يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلمن فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلمن‏.‏ وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول‏:‏ والله ما أشك في أن ابن صياد هو المسيح الدجال‏.‏ قال البيهقي في كتابه البعث والنشور‏:‏ اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافاً كثيراً هل هو الدجال‏؟‏ قال ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة الذي ذكره مسلم بعد هذا قال‏:‏ ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن وليس هو هو‏.‏ قال وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها‏.‏ قال وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي صلى الله عليه وسلمن وقول عمر، فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان كالمتوقف في أمره ثم جاءه البيان أنه غيره كما صرح به في حديث تميم‏:‏ هذا كلام البيهقي، واختار أنه غيره‏.‏ وقدمنا أنه صح عن عمرو عن ابن عمر وجابر رضي الله عنهم أنه الدجال والله أعلم‏.‏

فإن قيل كيف لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه ادعى بحضرته النبوة‏؟‏ فالجواب من وجهين ذكرهما البيهقي وغيره‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه كان غير بالغ واختار القاضي عياض هذا الجواب‏.‏ والثاني‏:‏ أنه كان في أيام مهادنة اليهود وحلفائهم، وجزم الخطابي في معالم السنن بهذا الجواب الثاني قال‏:‏ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاب صلح على أن لا يهاجوا ويتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم أو دخيلاً فيهم

2282- حَدّثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، حدثنا عبدُ الأعْلَى عن الْجُرَيْرِيّ عن أبي نَضرَةَ عن أبي سَعِيدٍ قال‏:‏ صَحِبَنِي ابنُ صَائِدٍ إِمّا حُجّاجاً وَإِمّا مُعْتَمِرِينَ فَانْطَلَقَ النّاسُ وَتُرِكْتُ أَنَا وَهُوَ، فَلَمّا خَلَصْتُ بِهِ اقْشَعْرَرْتُ مِنْهُ وَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ مِمّا يَقُولُ النّاسُ فِيهِ، فَلَمّا نَزَلْتُ قُلْتُ لَهُ‏:‏ ضَعْ مَتَاعَكَ حَيْثُ تِلْكَ الشّجَرَة‏.‏ قال‏:‏ فأَبْصَرَ غَنَماً فأَخَذَ الْقَدَحَ فَانْطَلَقَ فَاسْتَحْلَبَ ثُمّ أَتَانِي بِلَبَنٍ فقال لي‏:‏ يَا أَبَا سَعِيدٍ اشْرَبْ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَشْرَبَ من يَدِهِ شَيْئاً لِمَا يَقُولُ النّاسُ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُ‏:‏ هَذَا الْيَوْمُ يَوْمٌ صَائِفٌ وَإِنّي أَكْرَهُ فِيهِ الّلبَنَ، فقال لي‏:‏ يا أبا سَعِيدٍ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلاً فَأُوثِقَهُ إِلَى شّجَرَةِ ثُمّ أَخْتَنِقُ لِمَا يَقُولُ النّاسُ لِي وَفِيّ، أَرَأَيْتَ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثِي فَلَنْ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، أَلَسْتُمْ أَعْلَمَ النّاسِ بِحَدِيثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، أَلَمْ يَقُلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إِنّهُ كافِرٌ وَأنا مُسْلِمٌ‏"‏، ألَمْ يَقُلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِنّهُ عَقِيمٌ لاَ يُولَدُ لَهُ وَقَدْ خَلّفْتُ وَلَدِي بالمَدِينَةِ، أَلَمْ يَقُلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يدُل أو لاَ تَحِلّ لَهُ مَكّةُ، والدنيا أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَهُوذَا أَنْطَلِقُ مَعَكَ الَى مَكّةَ، قال‏:‏ فَوَالله مَا زَالَ يَجِيءُ بهَذَا حَتّى قُلْتُ فَلَعَلّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، ثُمّ قال‏:‏ يا أبا سَعِيدٍ وَالله لأُخْبِرَنّكَ خَبَراً حَقّا وَالله إنيّ لأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ وَالِدَهُ وَأعرف أَيْنَ هُوَ السّاعَةَ مِنَ الأَرْضِ، فَقلت‏:‏ تَبّاً لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2283- حدّثنا عَبْدُ بنِ حُمَيْدٍ، أخبرنا عبدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ‏:‏ ‏"‏أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ بابنِ صَيّادٍ في نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيْهُمْ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ وَهُو غُلاَمٌ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتّى ضَرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ظَهْرَهُ بَيَدِهِ ثُمّ قال‏:‏ أَتَشْهَدُ أَنّي رسولُ الله‏؟‏ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابنُ صَيّادٍ قال‏:‏ أَشْهَدُ أَنّكَ رَسُولُ الأُميّيّنَ‏.‏ قال‏:‏ ثُمّ قال ابنُ صَيّادٍ للنبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَتَشْهَدُ أَني رسولُ الله‏؟‏ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ آمَنْتُ بِالله وَبرُسُلِهِ، ثم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ مَا يأْتِيكَ‏؟‏ قال ابنُ صَيّادٍ‏:‏ يَأْتِينِي صَادِقٌ وكَاذِبٌ‏.‏ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ خُلّطَ عَلَيْكَ الأمْرُ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِني قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً وَخَبَأَ لَهُ‏"‏ ‏{‏يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخَانِ مُبِينٍ‏}‏‏.‏ فقال ابنُ صَيّادٍ‏:‏ هُوَ الدّخّ‏.‏ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ‏.‏ قال عُمَرُ‏:‏ يا رسولَ الله، ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ‏.‏ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنْ يَكُنه حَقاً فَلَنْ تُسَلّطْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لاَ يَكُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ‏"‏‏.‏

قال عبدُ الرّزّاقِ‏:‏ يَعْنِي الدّجّالَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏

2284- حدّثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، حدثنا عبدُ الأَعْلَى عن الْجُرَيْرِي عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ قال‏:‏ ‏"‏لَقِيَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابنَ صَائدٍ في بَعْضِ طُرُقِ المَدِينَةِ فَاحْتَبَسَهُ وَهُوَ غُلاَمٌ يَهُودِيّ وَلَهُ ذُؤَابَةٌ وَمَعَهُ أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَتَشْهَدُ أَنّي رسولُ الله‏؟‏‏"‏ فقال‏:‏ أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنّي رسولُ الله‏؟‏ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ آمَنْتُ بِالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ‏.‏ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا تَرَى‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ أَرَى عَرْشاً فَوْقَ الْمَاءِ‏.‏ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ يَرَى عَرْشَ إِبْلِيس فَوْقَ الْبَحْرِ‏.‏ قال‏:‏ فَمَا تَرَى‏؟‏ قال‏:‏ أَرَى صَادِقاً وكَاذِبَيْنِ أَوْ صَادِقَيْنِ وكَاذِباً‏.‏ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لُبّسَ عَلَيْهِ فَدَعَاهُ‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن عُمَرَ وَحُسَيْنِ بنِ عَلِيّ وابنِ عُمَرَ وأبي ذَرّش وابنِ مَسْعُودٍ وجابرٍ وحَفْصَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

2285- حدّثنا عبدُ الله بنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيّ، حدثنا حَمّادُ بنِ سَلَمَةَ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي بَكْرَةَ عن أَبِيهِ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يَمْكُثُ أَبُو الدّجّالِ وَأُمّهُ ثَلاَثِينَ عَاماً لاَ يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ ثُمّ يُولَدُ لَهُمَا غُلاَمٌ أَعْوَرُ أَضَرّ شَيءٍ وَأَقَلّهُ مَنْفَعةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ‏.‏ ثُمّ نَعَتَ لَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ فقال‏:‏ أَبُوهُ طُوَالٌ ضَرْبُ اللحمِ كأنّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ، وَأُمّهُ امْرَأَةٌ فرْضَاخيّةٌ طَوِيلَةُ اليدين‏.‏ فقال أبو بَكْرَةَ‏:‏ فَسَمِعْنا بِمَوْلُودٍ في الْيَهُودِ بِالمَدِينَةِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزّبَيْرُ بنُ الْعَوّامِ حَتّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ فإِذَا نَعْتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيهِمَا‏.‏ فقُلْنَا‏:‏ هَلْ لَكُمَا وَلَدٌ‏؟‏ فَقَالاَ‏:‏ مَكَثْنَا ثَلاَثِينَ عَاماً لاَ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ ثُمّ وُلِدَ لَنَا غُلاَمٌ أَعْوَرُ أَضَرّ شَيْءٍ وَأَقَلّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ‏.‏ قال‏:‏ فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمَا فإِذَا هُوَ مُنْجَدِلٌ في الشّمْسِ في قَطِيفَةٍ له وَلَهُ هَمْهَمَةٌ فَكَشَفَ عَنْ رَأَسَهُ، فقال‏:‏ مَا قُلْتُمَا‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ وهَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا‏؟‏ قال‏:‏ نَعَمْ‏.‏ تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ تَنَامُ قَلْبِي‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفُه إلا من حديثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سفيان بن وكيع‏)‏ هو أبو محمد الرواسي ‏(‏أخبرنا عبد الأعلى‏)‏ هو ابن عبد الأعلى البصري الشامي ‏(‏عن الجريري‏)‏ هو سعيد بن إياس ‏(‏عن أبي نضرة‏)‏ هو العبدي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إما حجاجاً وإما معتمرين‏)‏ حال من فاعل صحب ومفعوله ‏(‏وتركت‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏فلما خلصت به‏)‏ أي انفردت به ‏(‏اقشعررت منه‏)‏ قال في القاموس اقشعر جلده أخذته قشعريرة أي رعدة ‏(‏حيث تلك الشجرة‏)‏ أي عندها ‏(‏هذا اليوم يوم صائف‏)‏ أي حار ‏(‏ثم اختنق‏)‏ أي أعصر حلقي بذلك الحبل وأموت ‏(‏وهو‏)‏ ضمير الشأن ‏(‏ذا‏)‏ أي ابن صياد وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة ‏(‏فلعله مكذوب عليه‏)‏ أي ظننت أن ما يقوله الناس في حقه من أنه دجال هو كذب عليه ‏(‏والله إني لأعرفه وأعرف والده وأين هو الساعة من الأرض‏)‏ زاد مسلم قال فلبسني قال النووي بالتخفيف‏:‏ أي جعلني ألتبس في أمره وأشك فيه قال القاري يعني حيث قال‏:‏ أولاً أنا مسلم ثم أدعى الغيب بقوله أني لأعلم، ومن ادعى علم الغيب فقد كفر فالتبس على إسلامه وكفره ‏(‏فقلت تباً لك‏)‏ بتشديد الموحدة أي هلاكاً وخسراناً ‏(‏سائر اليوم‏)‏ أي جميع اليوم أو باقية أي ما تقدم من اليوم قد خسرت فيه فكذا في باقية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمر وحسين بن علي الخ‏)‏ أما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في هذا الباب وقد مر، وله حديث آخر عند مسلم‏.‏ وأما حديث أبي ذر فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث ابن مسعود وحديث جابر فأخرجهما مسلم‏.‏ وأما حديث حفصة فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث عمر وحديث حسين بن علي فلينظر من أخرجهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وله ذؤابة‏)‏ بالضم الناصية أو منبتها من الرأس كذا في القاموس‏.‏ وقال في النهاية‏:‏ الذؤابة الشعر المضفور من شعر الرأس ‏(‏قال أرى عرشاً‏)‏ أي سريراً ‏(‏قال أرى صادقاً وكاذبين أو صادقين وكاذباً‏)‏ هذا الشك من ابن صياد في عدد الصادق والكاذب يدل على افترائه إذ المؤيد من عند الله لا يكون كذلك ‏(‏لبس‏)‏ بصيغة المجهول من اللبس أو التلبيس أي خلط عليه أمره ‏(‏فدعاه‏)‏ بصيغة الأمر للتثنية من ودع يدع أي اتركاه‏.‏ وفي رواية مسلم دعوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عند أطم‏)‏ بضمتين القصر وكل حصن مبني بحجارة وكل بيت مربع مسطح الجمع- أطام وأطوم ‏(‏بني مغالة‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ هكذا هو في بعض النسخ بني مغالة وفي بعضها ابن مغالة، والأول هو المشهور والمغالة بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة، وذكر مسلم في روايته الحسن الحلواني التي بعد هذه أنه أطم بني معاوية بضم الميم وبالعين المهملة‏.‏ قال العلماء‏:‏ المشهور المعروف هو الأول‏.‏ قال القاضي‏:‏ وبنو مغالة كل ما كان على يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏وهو غلام‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم ‏(‏فلم يشعر‏)‏ بضم العين ‏(‏ظهره‏)‏ أي ظهر ابن صياد ‏(‏ثم قال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏قال أشهد أنك رسول الأميين‏)‏ قال القاضي يريد بهم العرب لأن أكثرهم كانوا لا يكتبون ولا يقرأون‏.‏ وما ذكره وإن كان حقاً من قبل المنطوق لكنه يشعر بباطل من حيث المفهوم، وهو أنه مخصوص بالعرب غير مبعوث إلى العجم كما زعمه بعض اليهود، وهو إن قصد به ذلك فهو من جملة ما يلقي إليه الكاذب الذي يأتيه وهو شيطانه انتهى‏.‏ وفي حديث عبد الله بن مسعود عند مسلم فقال‏:‏ لا، بل تشهد أني رسول الله ‏(‏فقال النبي صلى الله عليه وسلم آمنت بالله ورسوله‏)‏ قال الطيبي الكلام خارج على إرخاء العنان أي آمنت بالله ورسله فتفكر هل أنت منهم انتهى‏.‏ قال القاري‏:‏ وفيه إبهام تجويز التردد في كونه من الرسل أم لا ولا يخفى فساده‏.‏ فالصواب أنه عمل بالمفهوم كما فعله الدجال‏.‏ فالمعنى أني آمنت برسله وأنت لست منهم فلو كنت منهم لاَمنت بك‏.‏ وهذا أيضاً على الفرض والتقدير أو قبل أن يعلم أنه خاتم النبيين وإلا فبعد العلم بالخاتمة فلا يجوز أيضاً الفرض والتقدير به انتهى‏.‏ ‏(‏يأتيني صادق‏)‏ أي خبر صادق تارة ‏(‏وكاذب‏)‏ أي أخرى‏.‏ وقيل حاصل السؤال أن الذي يأتيك ما يقول لك، ومجمل الجواب أنه يحدثني بشيء قد يكون صادقاً وقد يكون كاذباً ‏(‏فقال النبي صلى الله عليه وسلم خلط‏)‏ بصيغة المجهول من التخليط‏.‏ قال النووي‏:‏ أي ما يأتيك به شيطانك مخلط‏.‏ قال الخطابي‏:‏ معناه أنه كان له تارات يصيب في بعضها ويخطئ في بعضها فلذلك التبس عليه الأمر ‏(‏وإني قد خبأت‏)‏ أي أضمرت في نفسي ‏(‏خبيئاً‏)‏ أي اسماً مضمراً لتخبرني به ‏(‏وهو الدخ‏)‏ قال النووي هو بضم الدال وتشديد الخاء، وهي لغة في الدخان وحكى صاحب نهاية الغريب فيه فتح الدال وضمها والمشهور في كتب اللغة والحديث ضمها فقط‏.‏ والجمهور على أن المراد بالدخ هنا الدخان وأنها لغة فيه وخالفهم الخطابي فقال‏:‏ لا معنى للدخان هنا لأنه ليس مما يخبأ في كف أو كم كما قال بل الدخ بيت موجود بين النخيل والبساتين، قال‏:‏ إلا أن يكون معنى خبأت أضمرت لك اسم الدخان فيجوز الصحيح المشهور أنه صلى الله عليه وسلم أضمر له آية الدخان وهي قوله تعالى ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين‏}‏ قال القاضي قال الداودي وقيل‏:‏ كانت سورة الدخان مكتوبة في يده صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل كتب الاَية في يده‏.‏ قال القاضي‏:‏ وأصح الأقوال أنه لم يهتد من الاَية التي أضمرها النبي صلى الله عليه وسلم إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب انتهى‏.‏ قال صاحب اللمعات‏:‏ هذا إما لكونه صلى الله عليه وسلم تكلم في نفسه أو كلم بعض أصحابه فسمعه الشيطان فألقاه إليه انتهى ‏(‏اخسأ‏)‏ بفتح السين وسكون الهمزة كلمة زجر واستهانة من الخسؤ وهو زجر الكلب أي امكث صاغراً أو ابعد حقيراً أو اسكت مزجوراً ‏(‏فلن تعدو‏)‏ بضم الدال أي فلن تجاوز ‏(‏قدرك‏)‏ أي القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء ومالا يبين منه حقيقته، ولا يصل به إلى بيان وتحقيق أمور الغيب ذكره النووي‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ أي لا تتجاوز عن إظهار الخبيات على هذا الوجه كما هو دأب الكهنة إلى دعوى النبوة فتقول أتشهد أني رسول الله ‏(‏إن يك حقاً‏)‏ أي إن يك ابن صياد دجالاً ‏(‏فلن تسلط عليه‏)‏ وفي حديث عبد الله بن مسعود عند مسلم‏:‏ دعه فإن يكن الذي تخاف لن تستطيع قتله ‏(‏فلا خير لك في قتله‏)‏ أي إما لكونه صغيراً أو ذمياً‏.‏ وفي حديث في شرح السنة‏:‏ إن يكن هو فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ومريم‏.‏ وإلا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلاً من أهل العهد‏.‏ وحديث ابن عمر هذا أخرجه أيضاً الشيخان وأبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأقله منفعة‏)‏ أي أقل شيء منفعة ‏(‏تنام عيناه ولا ينام قلبه‏)‏ قال القاضي‏:‏ أي لا تقطع أفكاره الفاسدة عنه عند النوم لكثرة وساوسه وتخيلاته وتواتر ما يلقي الشيطان إليه، كما لم يكن ينام قلب النبي صلى الله عليه وسلم من أفكاره الصالحة بسبب ما تواتر عليه من الوحي والإلهام ‏(‏فقال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏أبوه طوال‏)‏ بضم الطاء وتخفيف الواو مبالغة طويل، والمشدد أكثر مبالغة لكن الأول هو الرواية ‏(‏ضرب اللحم‏)‏ قال في النهاية هو الخفيف اللحم المستدق وفي صفة موسى عليه الصلاة والسلام أنه ضرب من الرجال ‏(‏كأن‏)‏ بتشديد النون ‏(‏أنفه منقار‏)‏ بكسر الميم أي في أنفه طول بحيث يشبه منقار طائر ‏(‏وأمه امرأة فرضاخية‏)‏ بكسر الفاء وتشديد التحتية أي ضخمة عظيمة، ذكره القاضي‏.‏ وفي الفائق‏:‏ هي صفة بالضخم وقيل بالطول والياء مزيدة فيه للمبالغة كأحمري‏.‏ وفي القاموس‏:‏ رجل فرضاخ ضخم عريض أو طويل وهي بهاء أو امرأة فرضاخة أو فرضاخية عظيمة الثديين‏.‏ وفي النهاية فرضاخية ضخمة عظيمة الثديين ‏(‏فإذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما‏)‏ أي وصفه موجود فيهما ‏(‏فإذا هو‏)‏ أي الغلام ‏(‏منجدل بكسر الدال‏.‏ قال الطيبي‏:‏ أي ملقى على الجدالة وهي الأرض‏.‏ ومنه الحديث‏:‏ أنا خاتم الأنبياء في أم الكتاب وآدم لمنجدل في طينته ‏(‏في قطيفة‏)‏‏)‏ أي دثار مخمل على ما في القاموس ‏(‏وله همهمة‏)‏ أي زمزمة‏.‏ وقيل‏:‏ أي كلام غير مفهوم منه شيء وهي في الأصل ترديد الصوت في الصدر انتهى‏.‏ وفي النهاية‏:‏ وأصل الهمهمة صوت البقر ‏(‏فكشف‏)‏ أي ابن صياد ‏(‏عن رأسه‏)‏ أي غطاءه ‏(‏فقال ما قلتما‏)‏ فكأنه وقع كلام بينهما فيه أو في غيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد في سنده على بن زيد ابن جدعان وهو ضعيف عند غير الترمذي‏.‏

1492- بَاب

2286- حَدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعَاوِيةَ عن الأعْمَشِ عن أبي سُفْيَانَ عن جَابِرٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا عَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ، يَعْنِي الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن ابن عُمَرَ وأبي سَعِيدٍ وبُرَيْدَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

2287- حدّثنا عَبْدُ بنُ حُميْدٍ، أخبرنا عبدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمِ بنِ عبدِ الله وأبي بَكْرِ بنِ سُلَيْمانَ- وهو ابنُ أبي حَثْمَةَ- أَنّ عبدَ الله بنَ عُمَرَ قال‏:‏ ‏"‏صَلّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلاَةَ الْعِشَاءِ في آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمّا سَلّمَ قَامَ فَقَالَ‏:‏ أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هِذِهِ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ‏.‏ قال ابنُ عُمَرَ‏:‏ فَوهَلَ النّاسُ في مَقَالَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تِلْكَ فيما يَتَحَدّثُونَهُ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ عن مائِة سَنَةٍ، وإنما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يَبْقَى مِمّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما على الأرض نفس منفوسة‏)‏ أي مولودة ‏(‏يأتي عليها مائة سنة‏)‏ قال النووي‏:‏ المراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قل عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة، ومعنى نفس منفوسة أي مولودة وفيه احتراز من الملائكة‏.‏ قال الحافظ في الفتح في باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء‏:‏ قال النووي وغيره‏:‏ احتج البخاري ومن قال بقوله بهذا الحديث على موت الخضر والجمهور على خلافه، وأجابوا عنه بأن الخضر كان حينئذ من ساكني البحر فلم يدخل في الحديث‏.‏ قالوا ومعنى الحديث لا يبقى ممن ترونه أو تعرفونه فهو عام أريد به الخصوص وقيل احترز بالأرض عن الملائكة، وقالوا خرج عيسى من ذلك وهو حي لأنه في السماء لا في الأرض وخرج إبليس لأنه على الماء أو في الهواء‏.‏ وأبعد من قال إن اللام في الأرض عهدية والمراد أرض المدينة، والحق وأنها للعموم تتناول جميع بني آدم‏.‏ وأما من قال المراد أمة محمد سواء أمة الإجابة وأمة الدعوة وخرج عيسى والخضر لأنهما ليسا من أمته فهو قول ضعيف لأن عيسى يحكم بشريعته فيكون من أمته‏.‏ والقول في الخضر إن كان حياً كالقول في عيسى، وقال في باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام‏:‏ والذي جزم بأنه غير موجود الاَن البخاري وإبراهيم الحربي وأبو جعفر بن المنادي وأبو يعلى بن الفراء وأبو طاهر العبادي وأبو بكر بن العربي وطائفة‏.‏

وعمدتهم الحديث المشهور عن ابن عمر وجابر وغيرهما‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر حياته‏:‏ لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد‏.‏ قال ابن عمر أراد بذلك انخرام قرنه‏.‏

ومن حجج من أنكر ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد‏}‏‏.‏

وحديث ابن عباس‏:‏ ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، أخرجه البخاري‏.‏ ولم يأت في خبر صحيح أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا قاتل معه، وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم بدر‏:‏ اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض‏.‏ فلو كان الخضر موجوداً لم يصح هذا النفي‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ رحم الله موسى لوددنا لو كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما‏.‏ فلو كان الخضر موجوداً لما حسن التمني ولأحضره بين يديه وأراه العجائب‏.‏ وكان ادعى لإيمان الكفرة لا سيما أهل الكتاب‏.‏

وجاء في اجتماعه مع النبي صلى الله عليه وسلم حديث ضعيف أخرجه ابن عدي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع وهو في المسجد كلاماً فقال‏:‏ يا أنس اذهب إلى هذا القائل فقل له يستغفر لي فذهب إليه فقال قل له إن الله فضلك على الأنبياء بما فضل به رمضان على الشهور‏.‏ قال فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر إسناده ضعيف‏.‏ ثم ذكر الحافظ أحاديث وآثار مع الكلام على كل أحد منها ثم قال‏:‏ وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه وأبو عروبة من طريق رياح بالتحتانية ابن عبيدة قال‏:‏ رأيت رجلاً يماشي عمر بن عبد العزيز معتمداً على يديه، فلما انصرف قلت له من الرجل‏؟‏ قال رأيته‏؟‏ قلت نعم‏.‏ قال‏:‏ أحسبك رجلاً صالحاً ذاك أخي الخضر بشرني أني سأولى وأعدل‏.‏ لا بأس برجاله‏.‏ ولم يقع لي إلى الاَن خبر ولا أثر بسند جيد غيره‏.‏ وهذا لا يعارض الحديث الأول في مائة سنة فإن ذلك كان قبل المائة، انتهى كلام الحافظ‏.‏

قلت‏:‏ القول الراجح عندي هو ما جزم به البخاري وغيره ولم أر حديثاً مرفوعاً صحيحاً يدل على أن الخضر موجود الاَن والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وأبي سعيد وبريدة‏)‏ أما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي بعد هذا‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم عنه قال‏:‏ لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك سألوه عن الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم‏.‏ وأما حديث بريدة فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأبي بكر بن سليمان‏)‏ قال في التقريب‏:‏ أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة عبد الله بن حذيفة العدوي المدني ثقة عارف بالنسب من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في آخر حياته‏)‏ جاء مقيداً في رواية جابر عند مسلم‏:‏ أن ذلك كان قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهر ‏(‏فقال أرأيتكم‏)‏ قال الحافظ‏:‏ هو بفتح المثناة لأنها ضمير المخاطب والكاف ضمير ثان لا محل لها من الإعراب، والهمزة الأولى للاستفهام والرؤية بمعنى العلم أو البصر‏.‏ والمعنى أعلمتم أو أبصرتم ليلتكم وهي منصوبة على المفعولية والجواب محذوف تقديره قالوا نعم قال فاضبطوها انتهى ‏(‏على رأس مائة سنة‏)‏ أي عند انتهاء مائة سنة ‏(‏لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد‏)‏ أي لا يبقى أحد ممن هو موجود اليوم على ظهر الأرض ‏(‏فوهل الناس‏)‏ بفتح الهاء أي غلطوا، يقال وهل بفتح الهاء يهل بكسرها وهلا أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب وأما وهلت بكسرها أو هل بفتحها وهلا كحذرت أحذر حذراً فمعناه فزعت‏.‏ والوهل بالفتح الفزع ‏(‏في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما يتحدثونه بهذه الأحاديث نحو مائة سنة‏)‏ وفي رواية البخاري‏:‏ فوهل الناس في مقالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يتحدثون في هذه الأحاديث عن مائة سنة قال الحافظ‏:‏ لأن بعضهم كان يقول‏:‏ إن الساعة تقوم عند تقضي مائة سنة، كما روى ذلك الطبراني وغيره من حديث أبي مسعود البدري ورد ذلك عليه علي بن أبي طالب انتهى‏.‏ ‏(‏يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن‏)‏ قال الحافظ‏:‏ قد بين ابن عمر في هذا الحديث مراد النبي صلى الله عليه وسلم وإن مراده أن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك ينخرم ذلك القرن فلا يبقى أحد ممن كان موجوداً حال تلك المقالة، وكذلك وقع بالاستقراء فكان آخر من ضبط أمره ممن كان موجوداً حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة‏.‏ وقد أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتاً‏.‏ وغاية ما قيل فيه أنه بقي إلى سنة عشر ومائة وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1493- باب مَا جَاءَ في النّهْيِ عَنْ سَبّ الرّيَاح

2288- حَدّثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ حَبِيبِ بنِ الشّهِيدِ البصري، حدثنا محمّدُ بنُ فُضَيْلٍ‏.‏ حدثنا الأعْمَشُ عن حَبِيبِ بنِ أبي ثَابِتٍ عن ذرٍ عن سَعِيدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ أَبْزَى عن أَبِيهِ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَسُبّوا الرّيحَ، فإِذَا رَأَيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولُوا‏:‏ الّلهُمّ إِنّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرّيحِ وَخَيْرِ ما فِيهَا وَخَيْرِ ما أُمِرَتْ بِهِ وَنَعْوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرّيحِ وَشَرّ ما فِيهَا وَشَرّ ما أُمِرَتْ بِهِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي الباب عن عائشةَ وأبي هُرَيْرَةَ وعُثْمانَ بنِ أبي الْعَاصِ وَأَنَسٍ وابنِ عَبّاسٍ وجابرٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي بن كعب‏)‏ بن قيس الأنصاري الخزرجي، كنيته أبو المنذر سيد القراء، ويكنى أبا الطفيل أيضاً من فضلاء الصحابة اختلف في سنة موته اختلافاً كثيراً قيل سنة تسع عشرة وقيل سنة اثنتين وثلاثين وقيل غير ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الريح‏)‏ فإن المأمور معذور‏.‏ وفي حديث ابن عباس الذي أشار إليه الترمذي‏:‏ لا تلعنوا الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه ‏(‏فإذا رأيتم ما تكرهون‏)‏ أي ريحاً تكرهونها لشدة حرارتها أو برودتها أو تأذيتم لشدة هبوبها ‏(‏فقولوا‏)‏ أي راجعين إلى خالقها وآمرها ‏(‏اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح‏)‏ أي خير ذاتها ‏(‏وخير ما فيها‏)‏ أي من منافعها كلها ‏(‏وخير ما أمرت به‏)‏ أي بخصوصها في وقتها، وهو بصيغة المفعول‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ يحتمل الفتح على الخطاب وشر ما أمرت به على بناء المفعول ليكون من قبيل ‏(‏أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم‏)‏ وقوله صلى الله عليه وسلم الخير كله بيدك والشر ليس إليك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة الخ‏)‏ أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشافعي وأبو داود وابن ماجة والبيهقي في الدعوات الكبير كذا في المشكاة‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في باب اللعنة من أبواب البر والصلة وأما أحاديث بقية الصحابة فلينظر من أخرجها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه النسائي في اليوم والليلة‏.‏

1494- باب

2289- حَدّثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثنا أَبي عن قَتَادَةَ عن الشّعْبِيّ عن فَاطِمَةَ بنْتِ قَيْسٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم صَعِدَ المِنْبَرَ فَضَحِكَ فقال‏:‏ إِنّ تَمِيماً الدّارِيّ حَدّثَنِيِ بِحَدِيثٍ فَفَرِحْتُ فأَحْبَبْتُ أَنْ أُحَدّثَكُمْ بِهِ حدثني أَنّ نَاساً مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ رَكِبُوا سَفِينَةً في الْبَحْرِ فَجَالَتْ بِهِمْ حَتّى قَذَفَتْهُمْ في جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فإِذَا هُمْ بِدَابّةٍ لَبّاسَةٍ نَاشِرَةٍ شَعْرَهَا فَقَالُوا‏:‏ ما أَنْتِ‏؟‏ قالت‏:‏ أَنَا الْجَسّاسَةُ‏.‏ قالوا‏:‏ فأَخْبِرِينَا‏.‏ قالت‏:‏ لا أُخْبِرُكُمْ ولا أَسْتَخْبِرُكُمْ وَلَكِنْ ائْتُوا أَقْصَى الْقَرْيَةِ فإِنّ ثَمّ مَنْ يُخْبِرُكُمْ ويَسْتَخْبِرُكُمْ، فأَتَيْنَا أَقْصَى الْقَرْيَةِ فإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ بِسِلْسِلَةٍ فقال‏:‏ أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ‏.‏ قلنا‏:‏ مَلأَى تَدْفقُ‏.‏ قال‏:‏ أَخْبِرُونِي عَنْ الْبُحَيْرَةِ‏.‏ قلنا‏:‏ مَلأَى تَدْفقُ‏.‏ قال‏:‏ أَخْبِرُوني عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ الذِي بَيْنَ الاْرُدّنِ وَفِلَسْطِينَ هَلْ أَطْعَمَ‏؟‏ قلنا‏:‏ نَعَمْ‏.‏ قال‏:‏ أَخْبِرُوني عَنْ النّبِيّ هَلْ بُعِثَ‏؟‏ قلنا‏:‏ نَعَمْ‏.‏ قال‏:‏ أَخْبِرُوني كَيْفَ النّاسُ إِلَيْهِ‏؟‏ قلنا‏:‏ سِرَاعٌ‏.‏ قال‏:‏ فَنَزى نَزْوَةً حَتّى كَادَ‏.‏ قلنا‏:‏ فمَا أَنْتَ‏؟‏ قال‏:‏ أَنَا الدّجّالُ وَإِنّهُ يَدْخُلُ الأَمْصَارَ كُلّهَا إِلاّ طَيْبَةَ، وَطَيْبَةُ المَدِينَةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث قَتَادَةَ عن الشّعْبِيّ‏.‏ وقد رَوَاهُ غيرُ واحدٍ عن الشّعْبِيّ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صعد المنبر‏)‏ وفي رواية مسلم وأبو داود فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته جلس على المنبر‏.‏ وفيه دلالة على جواز وعظ الواعظ الناس جالساً على المنبر وأما الخطبة يوم الجمعة فلا بد للخطيب أن يخطبها قائماً ‏(‏فضحك‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ وهو يضحك أي يبتسم ضاحكاً على عادته الشريفة ‏(‏فقال إن تميماً الداري‏)‏ هو منسوب إلى جد له اسمه الدار ‏(‏حدثني بحديث ففرحت فأحببت أن أحدثكم‏)‏‏.‏

وفي رواية مسلم‏:‏ فقال ليلزم كل إنسان مصلاه‏.‏ ثم قال أتدرون لم جمعتكم‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏:‏ قال‏.‏ إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال ‏(‏أن ناساً من أهل فلسطين‏)‏ بكسر فاء وفتح لام كورة ما بين الأردن وديار مصر وأم ديارها بيت المقدس كذا في المجمع ‏(‏ركبوا سفينة في البحر‏)‏ وفي رواية مسلم حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام ‏(‏فجالت بهم‏)‏ قال في القاموس أجاله وبه أداره كجال به واجتالهم حولهم عن قصدهم‏.‏ وفي رواية مسلم‏:‏ فلعب بهم الموج شهراً ‏(‏حتى قذفتهم‏)‏ أي ألقتهم ‏(‏فإذا هم بدابة لباسة‏)‏ قال في القاموس‏:‏ رجل لباس ككتان كثير اللباس انتهى‏.‏ لكن معناه ها هنا الظاهر أنه ملق في اللبس والاختلاط بأن تكون صيغة مبالغة من اللبس كذا في هامش النسخة الأحمدية، قلت‏:‏ الظاهر عندي والله تعالى اعلم أن المراد بقوله لباسة كثيرة اللباس وكنى بكثرة لباسها عن كثرة شعرها، وقوله ناشرة شعرها كالبيان له ‏(‏ناشرة‏)‏ بالجر صفة ثانية لدابة ‏(‏شعرها‏)‏ بالنصب على المفعولية أي جاعلة شعرها منتشرة‏.‏ وفي رواية مسلم‏:‏ فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر ‏(‏أنا الجساسة‏)‏ قال النووي‏:‏ هي بفتح الجيم فتشديد المهملة الأولى، قيل سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال‏.‏ وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن انتهى ‏(‏فإذا رجل موثق بسلسلة‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ فإذا فيه أعظم إنسان ما رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد‏.‏ قلنا ويلك ما أنت‏؟‏ قال‏:‏ قد قدرتم على خبري فأخبرون ما أنتم‏؟‏ قالوا نحن أناس من العرب ‏(‏فقال أخبروني عن عين زغر‏)‏ قال النووي هي بزاي معجمة مضمومة ثم غين معجمة مفتوحة ثم راء وهي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام ‏(‏قلنا ملأى تدفق‏)‏ قال في القاموس‏:‏ دَفَقَه يَدْفِقُه ويَدْفُقُه صبه، وهو ماء دافق أي مدفوق، لأن دفق متعد عند الجمهور‏.‏ وفي رواية مسلم‏:‏ قالوا عن أي شأنها تستخبر‏؟‏ قال‏:‏ هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين‏؟‏ قلنا له نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها ‏(‏قال أخبروني عن البحيرة‏)‏ تصغير البحر وفي رواية مسلم‏:‏ عن بحيرة طبرية‏.‏ قال في القاموس‏:‏ الطبرية محركة قصبة بالأردن والنسبة إليها طبراني ‏(‏أخبروني عن نخل بيسان‏)‏ بفتح موحدة وسكون تحتية وهي قرية بالشام قريبة من الأردن ذكره ابن الملك ‏(‏الذي بين الأردن‏)‏ بضمتين وشد الدال كورة بالشام كذا في القاموس ‏(‏هل أطعم‏)‏ أي أثمر، وفي رواية مسلم‏:‏ هل يثمر‏؟‏ قلنا له‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أما إنها توشك أن لا تثمر ‏(‏أخبروني عن النبي هل بعث قلنا نعم‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ أخبروني عن نبي الأميين ما فعل‏؟‏ قالوا‏:‏ قد خرج من مكة ونزل يثرب ‏(‏فنزى نزوة‏)‏ أي وثب وثبة ‏(‏حتى كاد‏)‏ أي أن يتخلص من الوثاق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه مسلم وأبو داود‏.‏

1495- باب

2290- حَدّثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَمْرُو بنُ عَاصِمٍ، أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن الْحَسَنِ عن جُنْدُبٍ عن حُذَيْفَةَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلّ نَفْسَهُ قالوا‏:‏ وكَيْفَ يُذِلّ نَفْسَهُ‏؟‏ قال‏:‏ يَتَعَرّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لا يُطِيقُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عمرو بن عاصم‏)‏ هو الكلابي القيسي ‏(‏عن علي بن زيد‏)‏ هو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان ‏(‏عن الحسن‏)‏ هو البصري ‏(‏عن جندب‏)‏ هو ابن عبد الله بن سفيان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا ينبغي للمؤمن‏)‏ أي لا يجوز له ‏(‏أن يذل‏)‏ من الإذلال ‏(‏قال يتعرض‏)‏ أي يتصدى ‏(‏من البلاء‏)‏ بيان مقدم لقوله مالا يطيق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ في سنده علي بن زيد وهو ضعيف وإنما حسن حديثه الترمذي لأنه صدوق عنده وأخرجه أحمد أيضاً من طريقه‏.‏

1496- باب

2291- حَدّثنا محمّدُ بنُ حاتِمِ المُؤَدّبُ، حدثنا محمّدُ بنُ عبدِ الله الأَنْصَارِيّ، حدثنا حُمَيْدُ الطّوِيلُ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً‏.‏ قِلنا‏:‏ يا رسول الله نَصَرْتُهُ مَظْلُوماً فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِماً‏؟‏ قال‏:‏ تَكُفّهُ عَنْ الظّلمِ فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيّاهُ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن عائشةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏انصر أخاك‏)‏ أي المسلم ‏(‏ظالماً‏)‏ حال من المفعول ‏(‏أو مظلوماً‏)‏ تنويع ‏(‏تكفه عن الظلم‏)‏ أي تمنعه عن الفعل الذي يريده ‏(‏فذاك‏)‏ أي كفك إياه عنه ‏(‏نصرك إياه‏)‏ أي على شيطانه الذي يغويه أو على نفسه التي تطغيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة‏)‏ لينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والبخاري‏.‏

1497- باب

2292- حَدّثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِيّ، حدثنا سُفْيَانُ عن أبي مُوسَى عن وَهْبِ بنِ مُنَبّهٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنْ اتّبَعَ الصّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوابَ السّلْطَانِ افتَتَنَ‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديثِ ابنِ عَبّاسٍ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من حديثِ الثّوْرِيّ‏.‏

2293- حَدّثنا محمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرّحمَنِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ يحدّثُ عن أَبِيهِ قَالَ‏:‏ ‏"‏سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏إِنّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدَرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فلْيَتّقِ الله وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عن المُنْكَرِ وَمَنْ كَذَبَ تكْذِبِ عَلَيّ مُتَعَمّدّاً فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي موسى‏)‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ أبو موسى عن وهب بن منبه مجهول من السادسة، ووهم من قال إنه إسرائيل بن موسى انتهى‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب أبو موسى شيخ يماني روى عن وهب بن منبه عن ابن عباس حديث من اتبع الصيد غفل‏.‏ وعنه سفيان الثوري مجهول قاله ابن القطان‏.‏ ذكر المزي في ترجمة أبي موسى إسرائيل بن موسى البصري أنه روى عن ابن منبه وعنه الثوري ولم يلحق البصري وهب بن منبه وأنما هذا آخر وقد فرق بينهما ابن حبان في الثقات وابن الجارود في الكنى وجماعة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من سكن البادية جفاً‏)‏ أي جهل قال تعالى ‏{‏الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله‏}‏ قال القاري‏.‏ وقال القاضي‏:‏ جفا الرجل إذا غلظ قلبه وقسا ولم يرق لبر وصلة رحم وهو الغالب على سكان البوادي لبعدهم عن أهل العلم وقلة اختلاطهم بالناس، فصارت طباعهم كطباع الوحوش وأصل التركيب للنبو عن الشيء ‏(‏ومن اتبع الصيد‏)‏ أي لازم اتباع الصيد والاشتغال به وركب على تتبع الصيد كالحمام ونحوه لهواً وطرباً ‏(‏غفل‏)‏ أي عن الطاعة والعبادة ولزوم الجماعة والجمعة وبعد عن الرقة والرحمة لشبهه بالسبع والبهيمة ‏(‏ومن أتى أبواب السلطان‏)‏ أي من غير ضرورة وحاجة لمجيئه ‏(‏افتتن‏)‏ بصيغة المجهول أي وقع في الفتنة فإنه أن وافقه فيما يأتيه ويذره فقد خاطر على دينه وإن خالفه فقد خاطر على دنياه‏.‏ وقال المظهر‏:‏ يعني من التزم البادية ولم يحضر صلاة الجمعة ولا الجماعة ولا مجالس العلماء فقد ظلم نفسه، ومن اعتاد الاصطياد للهو والطرب يكون غافلاً لأن اللهو والطرب يحدث من القلب الميت، وأما من أصطاد للقوت فجاز له لأن بعض الصحابة كانوا يصطادون، ومن دخل على السلطان وداهنه وقع في الفتنة، وأما من لم يداهن ونصحه وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فكان دخوله عليه أفضل الجهاد انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة‏)‏ أخرجه أحمد وأبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب من حديث أبن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي‏.‏ قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا وفي إسناده أبو موسى عن وهب بن منبه، ولا نعرفه‏.‏ قال الحافظ أحمد الكرابيسي حديث ليس بالقائم هذا آخر كلامه، وقد روى من حديث أبي هريرة وهو ضعيف أيضاً وروى أيضاً من حديث البراء بن عازب وتفرد به شريك بن عبد الله فيما قال الدارقطني وشريك فيه مقال انتهى كلام المنذري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنكم منصورون‏)‏ أي على الأعداء ‏(‏ومصيبون‏)‏ أي للغنائم ‏(‏ومفتوح لكم‏)‏ أي البلاد الكثيرة ‏(‏فمن أدرك ذاك‏)‏ أي ما ذكر ‏(‏فليتق الله‏)‏ أي في جميع أموره ليكون كاملاً ‏(‏وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر‏)‏ ليكون مكملاً لا سيما في أيام إمارته ‏(‏فليتبوأ مقعده من النار‏)‏ أي فليتخذ لنفسه منزلاً، يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه مسكناً وهو أمر بمعنى الخبر أو بمعنى التهديد أو بمعنى التهكم أو دعاء على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك‏.‏ وقال الكرماني‏:‏ يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوأ‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وأولها أولاها فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ‏:‏ بنى له بيت في النار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود‏.‏

1498- باب

2294- حَدّثنا محمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ، أنبأنا شُعْبَةُ عن الأَعْمَشِ وَ عَاصِم بنِ بَهْدَلَةَ وَ حَمّادٍ سَمِعُوا أَبَا وَائِلٍ عن حُذَيْفَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ عُمَرُ‏:‏ أَيّكُمْ يَحْفَظُ مَا قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الْفِتْنَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَنَا‏.‏ قَالَ حُذَيْفَةُ‏:‏ فِتْنَةُ الرّجُلِ في أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفّرُهَا الصّلاَةُ وَالصّوْمُ وَالصّدَقَة وَالأَمْرُ بالمَعْرُوفِ وَالنّهْيُ عن المُنْكَرِ‏.‏

قَالَ عُمَرُ‏:‏ ‏"‏لَسْتُ عن هَذا أَسْأَلُكَ وَلَكِنْ عن الْفِتْنَةِ التي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ‏.‏ قَالَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً مُغْلَقاً‏.‏ قالَ عُمَرُ‏:‏ أَيُفْتَحُ أَمْ يُكْسَرُ‏؟‏ قالَ بَلْ يُكْسَرُ، قالَ إِذَاً لا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏"‏‏.‏ قالَ أَبُو وَائِلٍ في حدِيثِ حَمّادٍ‏:‏ فَقُلْتُ لِمَسْرُوقٍ سَلْ حُذَيْفَةَ عن البَابِ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ‏:‏ عُمَرُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال بعض الشراح يحتمل أن يكون كل واحدة من الصلاة وما معها مكفرة للمذكورات كلها لا لكل واحدة منها، وأن يكون من باب اللف والنشر بأن الصلاة مثلاً مكفرة للفتنة في الأهل والصوم في الولد إلخ‏.‏ والمراد بالفتنة ما يعرض للأنسان مع من ذكر من البشر أو الالتهاء بهم أو أن يأتي لأجلهم بمالا يحل له أو يخل بما يجب عليه‏.‏ واستشكل ابن أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في المحرمات والإخلال بالواجب، لأن الطاعات لا تسقط ذلك، فإن حمل على الوقوع في المكروه والإخلال بالمستحب لم يناسب إطلاق التكفير‏.‏ والجواب التزام الأول وإن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان كبيرة فهي التي فيها النزاع وأما الصغائر فلا نزاع أنها تكفر لقوله تعالى ‏{‏إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم‏}‏ الاَية وقال الزين بن المنير‏:‏ الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن أو عليهن في القسمة والإيثار حتى في أولادهن، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهن، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة أو بحبسه عن إخراج حق الله، والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد وإيثاره على كل أحد، والفتنة بالجار تقع بالحسد والمفاخرة والمزاحمة في الحقوق وإهمال التعاهد ثم قال وأسباب الفتنة بمن ذكر غير منحصرة فيما ذكرت من الأمثلة‏.‏ وأما تخصيص الصلاة وما ذكر معها بالتكفير دون سائر العبادات ففيه إشارة إلى تعظيم قدرها، لاتقي أن غيرها من الحسنات ليس فيها صلاحية التكفير، ثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة ويحتمل أن يقع بالموازنة‏.‏ والأول أظهر ‏(‏تموج كموج البحر‏)‏ أي تضطرب اضطراب البحر عند هيجانه وكنى بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة ‏(‏قال يا أمير المؤمنين‏)‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ يا أمير المؤمنين لا بأس عليك منها‏.‏ قال الحافظ زاد في رواية ربعي‏:‏ تعرض الفتن على القلوب فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى يصير أبيض مثل الصفاة لا تضره فتنة، وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء حتى يصير أسود كالكوز منكوساً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً وحدثته أن بينها وبينه باباً مغلقاً ‏(‏أن بينك وبينها باباً مغلقاً‏)‏ أي لا يخرج منها شيء في حياتك‏.‏ قال ابن المنبر‏:‏ آثر حذيفة الحرص على حفظ السر ولم يصرح لعمر بما سأل عنه وإنما كنى عنه كناية وكأنه كان مأذوناً له في مثل ذلك‏.‏ وقال النووي‏:‏ يحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل ولكنه كره أن يخاطبه بالقتل لأن عمر كان يعلم أنه الباب فأتى بعبارة يحصل بها المقصود بغير تصريح بالقتل انتهى‏.‏ وكأنه مثل الفتن بدار ومثل حياة عمر بباب لها مغلق ومثل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودة فهي الباب المغلق لا يخرج مما هو داخل تلك الدار شيء فإذا مات فقد انفتح ذلك الباب فخرج ما في تلك الدار ‏(‏قال عمر‏:‏ يفتح أم يكسر قال بل يكسر‏)‏ قال ابن بطال إنما قال ذلك لأن العادة أن الغلق إنما يقع في الصحيح، فأما إذا انكسر فلا يتصور غلقه حتى يجبر انتهى‏.‏ ويحتمل أن يكون كنى عن الموت بالفتح وعن القتل بالكسر ولهذا قال في رواية ربعي‏:‏ فقال عمر كسراً لا أبالك‏.‏ لكن بقية رواية ربعي تدل على ما قدمته فإن فيه‏:‏ وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت ‏(‏قال إذن لا يغلق إلى يوم القيامة‏)‏ زاد البخاري‏.‏ قلت‏:‏ أعلم عمر الباب قال‏:‏ نعم كما أن دون غد ليلة‏.‏

قال الحافظ‏:‏ إنما قال عمر ذلك اعتماداً على ما عنده من النصوص الصريحة في وقوع الفتن في هذه الأمة ووقوع البأس بينهم إلى يوم القيامة‏.‏ روى البزار من حديث قدامة بن مظعون عن أخيه عثمان أنه قال لعمر‏:‏ يا غلق الفتنة‏.‏ فسأله عن ذلك فقال‏:‏ مررت ونحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذا غلق الفتنة لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش‏.‏

فإن قيل‏:‏ إذا كان عمر عارفاً بذلك فلم شك فيه حتى سأل عنه‏؟‏

فالجواب أن ذلك يقع مثله عند شدة الخوف أو لعله خشي أن يكون نسي فسأل من يذكره وهذا هو المعتمد ‏(‏فقلت لمسروق‏)‏ هو ابن الأجدع من كبار التابعين وكان من أخصاء أصحاب ابن مسعود وحذيفة وغيرهما من كبار الصحابة ‏(‏سئل حذيفة عن الباب فسأله فقال عمر‏)‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ فهبنا أن نسأله وأمرنا مسروقاً فسأله فقال‏:‏ من الباب‏؟‏ فقال عمر‏.‏ قال الكرماني تقدم قوله أن بين الفتنة وبين عمر باباً فكيف يفسر الباب بعد ذلك أنه عمر‏؟‏ والجواب أن في الأول تجوز، والمراد بين الفتنة وبين حياة عمر، أو بين نفس عمر وبين الفتنة بدنة لأن البدن غير النفس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1499- باب

2295- حَدّثنا هَارُونُ بنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ، أخبرنا محمدُ بنُ عَبْدِ الْوَهّاب عن مِسْعَرٍ عن أبي حَصِينٍ، عن الشّعْبِيّ عن عاصم عن الْعَدَوِيّ عن كَعْبِ بنِ عُجرَةَ قالَ‏:‏ ‏"‏خَرَجَ إِلَيْنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ونحن تِسْعَةٌ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعَةٌ، أَحَدُ الْعَدَدَينِ مِنَ العَرَبِ وَالاَخَرُ مِنَ العَجَم، فَقَالَ‏:‏ اسْمَعُوا هَلْ سَمِعْتُمْ أَنّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمُرَاءٌ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدّقَهُمْ بِكَذِبهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيّ الْحَوْضَ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنّي وَأَنا مِنْهُ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيّ الْحَوْضَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ مِسْعَرٍ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏ قَالَ هَارُونُ‏:‏ فحدثني محمّدُ بنُ عَبْدِ الْوَهّابِ، عن سُفْيَانَ عن أبي حَصينٍ عن الشّعْبِيّ عن عَاصِمٍ العَدَوِيّ عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ‏.‏

قالَ هَارُونُ وحدّثني محمدٌ عن سُفْيَانَ عن زُبيدٍ عن إِبرَاهِيمَ وَلَيْسَ بالنّخَعِيّ عن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَ حَدِيثِ مِسْعَرٍ قال‏:‏ وفي البابِ عن حُذَيفةَ وابن عمر‏.‏

2296- حَدّثنا إِسماعيلُ بنُ مُوسَى الفَزَارِيّ ابنُ بنت السّدّيّ الكُوفِيّ، أخبرنا عُمَرُ بنُ شَاكِرٍ عنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ‏:‏ قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يَأَتِي عَلَى النّاسِ زَمَانٌ الصّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كالقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏ وَعُمَرُ بنُ شَاكِرٍ قد رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وهو شيخ بصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثني محمد بن عبد الوهاب‏)‏ القناد بالقاف والنون أبو يحيى الكوفي ويقال له السكري أيضاً ثقة عابد من التاسعة ‏(‏عن العدوي‏)‏ هو عاصم‏.‏ قال في التقريب‏:‏ عاصم العدوي الكوفي عن كعب بن عجرة وثقه النسائي من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ونحن تسعة خمسة وأربعة‏)‏ تفسير التسعة ‏(‏أحد العددين من العرب والاَخر من العجم‏)‏ أي خمسة من العرب وأربعة من العجم أو عكس ذلك ‏(‏فمن دخل عليهم‏)‏ أي من العلماء وغيرهم وأعانهم على ظلمهم أي بالإفتاء ونحوه ‏(‏فليس مني ولست منه‏)‏ أي بيني وبينهم براءة ونقض ذمة ‏(‏وليس بوارد عليّ‏)‏ بتشديد الياء ‏(‏الحوض‏)‏ أي الحوض الكوثر يوم القيامة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح غريب‏)‏ وأخرجه النسائي وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله مرفوعاً قال لكعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال وما إمارة السفهاء‏؟‏ قال أمراء يكونون بعدى لا يهتدون بهديى ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم الحديث‏.‏ وأخرجه البزار ورواتهما محتج بهم في الصحيح كذا قال المنذري ‏(‏قال هرون‏)‏ هو ابن إسحاق الهمداني المذكور ‏(‏عن زبيد‏)‏ هو ابن الحارث اليامي ‏(‏عن إبراهيم وليس بالنخعي‏)‏ قال في التقريب إبراهيم عن كعب بن عجرة مجهول من الثالثة وليس هو النخعي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن حذيفة وابن عمر‏)‏ أما حديث حذيفة فأخرجه أحمد ص 384 ج5 بمسنده وأما حديث ابن عمر فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عمر بن شاكر‏)‏ البصري ضعيف من الخامسة قاله الحافظ في التقريب‏.‏ وقال تهذيب التهذيب في ترجمته قال أبو حاتم ضعيف يروي عن أنس المناكير‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ شيخ بصري يروي عنه غير واحد من أهل العلم وقال ابن عدي‏:‏ يحدث عن أنس نسخة قريب من عشرين حديثا غير محفوظة‏.‏ وذكره ابن حبان في الثقات روى له الترمذي حديثاً واحداً يأتي على الناس زمان الحديث وقال غريب من هذا الوجه، وليس في جامع الترمذي حديث ثلاثي سواه‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وقال الترمذي قال البخاري مقارب الحديث انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يأتي على الناس زمان الصابر فيهم‏)‏ أي في أهل ذلك الزمان ‏(‏على دينه‏)‏ أي على حفظ أمر دينه بترك دنياه ‏(‏كالقابض‏)‏ أي كصبر القابض في الشدة ونهاية المحنة ‏(‏على الجمر‏)‏ جمع الجمرة وهي شعلة من نار‏.‏ قال الطيبي‏:‏ المعنى كما لا يقدر القابض على الجمر أن يصبر لإحراق يده، كذلك المتدين يومئذ لا يقدر على ثباته على دينه لغلبة العصاة والمعاصي وانتشار الفسق وضعف الإيمان انتهى‏.‏ وقال القاري‏:‏ الظاهر أن معنى الحديث كما لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد وتحمل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلا بصبر عظيم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ في سنده عمر بن شاكر، وهو ضعيف كما تقدم آنفاً‏.‏

1500- باب

2297- حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عن العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحمَنِ عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ‏:‏ ‏"‏أَنّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقَفَ عَلَى أُنَاسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ‏:‏ ‏"‏أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرّكُمْ‏؟‏ قالَ فَسَكَتُوا، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ بَلَى يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرّنا‏.‏ قالَ‏:‏ خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرّهُ، وَشَرّكُمْ مَنْ لاَ يُرْجَى خَيْرُهُ وَلاَ يُؤْمَنُ شَرّهُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقف على ناس جلوس‏)‏ أي جالسين أو ذوي جلوس ‏(‏فقال‏:‏ ألا أخبركم بخيركم من شركم‏)‏ أي مميزاً منه حال من المتكلم ‏(‏قال‏)‏ أي أبو هريرة رضي الله عنه ‏(‏قال خيركم من يرجى خيره‏)‏ فخير الأول بمعنى الأخير والثاني مفرد الخيور أي من يرجو الناس منه إحسانه إليهم ‏(‏ويؤمن شره‏)‏ أي من يأمنون عنه من إساءته عليهم ‏(‏وشركم الخ‏)‏ قال القاري‏:‏ ترك ذكر من يأتي منه الخير والشر ونقيضه فإنهما ساقطا الاعتبار حيث تعارضا تساقطا انتهى‏.‏ وقال الطيبي لما توهموا معنى التمييز وتخوفوا من الفضيحة سكتوا حتى كرر ثلاثاً ثم أبرز البيان في معرض العموم لئلا يفضحوا فقال خيركم، والتقسيم العقلي يقتضي أربعة أقسام ذكر منها اثنين ترغيباً وترهيباً، وترك قسمين لأنه ليس فيهما ترغيب وترهيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان وابن حبان‏.‏

1501- باب

2298- حَدّثنا مُوسَى بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ الكِنْدِيّ الكوفي، حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ، أخبرني مُوسَى بنُ عُبَيْدَةَ، حدثني عَبْدُ الله بنُ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِذَا مَشَتْ أُمّتِي المُطَيطَياءَ وَخَدَمَهَا أَبْنَاءُ المُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسٍ وَالرّومِ سُلّطَ شِرَارُهَا عَلَى خِيَارِهَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ، وَقَد رواهْ أَبُو مُعَاوِيَةَ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيّ‏.‏

2299- حدّثنا بِذَلِكَ محمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الوَاسِطيّ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنصاري عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ وَلاَ يُعْرَفُ لِحَدِيثِ أَبي مُعَاوِيَةَ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن عبدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ أَصْلٌ إِنّمَا المَعْرُوفُ حَدِيثُ مُوسَى بنِ عُبَيْدَةَ، وَقَدْ رَوَى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ مُرْسَلاً وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ‏.‏

2300- حَدّثنا محمّدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ، حدثنا حُمَيْدُ الطّوِيلُ عن الْحَسَنِ عن أَبي بَكْرَةَ قَالَ‏:‏ ‏"‏عَصَمَنِي الله بِشَيءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، لَمّا هَلَكَ كِسْرَى قالَ مَنْ اسْتَخْلَفُوا‏؟‏ قالُوا ابنَتَهُ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً‏.‏ قَالَ فَلَمّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ، يَعْنِي البَصْرَةَ، ذكرتُ قَوْلَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَعَصَمَنِي الله به‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2301- حَدّثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا أَبُو عَامِرٍ العقدي، حدثنا محمّدُ بنِ أَبي حُمَيْدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أَبِيهِ عن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ أُمَرَائِكُمْ وَشِرَارِهِمْ‏:‏ خِيَارُهُمْ الّذِينَ تحِبّونَهُمْ وَيُحِبّونَكُمْ وَتَدْعُونَ لَهُمْ وَيَدْعُونَ لَكُمْ، وَشِفرَارُ أُمَرَائِكُمْ الّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ محمّدِ بنِ أَبي حُمَيْدٍ وَمحمّدٌ يُضَعّفُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ‏.‏

2302- حَدّثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الخلاّلُ، حدثنا يزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا هِشَامُ بنُ حَسّانَ، عن الْحَسَنِ عن ضَبّةَ بنِ محْصَنٍ عن أُمّ سَلَمَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏إِنّهُ سَيَكُون عَلَيْكُمْ أَئِمّةٌ تَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ‏.‏ فَقِيلَ يَا رَسُولَ الله أَفَلاَ نُقَاتِلُهُم‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا مَا صَلّوا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2303- حدّثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الأَشْقَرُ، حدثنا يُونُسُ بنُ مُحمّدٍ وَ هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ قَالاَ، حدثنا صَالِحٌ المُرّيّ، عن سَعِيدٍ الْجُرَيرِيّ عن أَبي عُثمانَ النّهْدِيّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِذَا كان أُمَرَاؤُكمُ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُم سُمَحَاءَكم وَأُمُورُكُم شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا‏.‏ وَاذَا كان أُمَرَاؤكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاَءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ من ظَهْرِهَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ صالحٍ المُرّيّ‏.‏ وَصَالحٌ المري في حَدِيثِهِ غَرَائِبٌ ينفرد بها لاَ يُتَابَعُ عَلَيْهَا وَهُوَ رَجُلٌ صَالحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرني موسى بن عبيدة‏)‏ بضم أوله ابن نشيط بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة الربذي بفتح الراء والموحدة ثم معجمة أبو عبد العزيز المدني ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار وكان عابداً من صغار السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا مشت أمتي المطيطياء‏)‏ بضم الميم وفتح الطاء المهملة الأولى بعدها تحتية ساكنة وكسر الطاء المهملة الثانية بعدها تحتية وألف ممدودة وفي بعض النسخ بغير الياء الأخيرة‏.‏ قال في المجمع هي بالمد والقصر مشية فيها تبختر ومد اليدين‏.‏ يقال‏:‏ مطوت ومططت بمعنى سددت ولم تستعمل إلا مصغراً ‏(‏وخدمها‏)‏ أي قام بخدمتها وانقاد في حضرتها ‏(‏أبناء فارس والروم‏)‏ بدل مما قبله وبيان له ‏(‏سلط شرارها على خيارها‏)‏ وهو من المعجزات، فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم وأخذوا أموالهم وسبوا أولادهم سلط الله قتلة عثمان عليه حتى قتلوه ثم سلط بنى أمية على بنى هاشم ففعلوا ما فعلوا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف كما عرفت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الحسن‏)‏ هو البصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عصمني الله‏)‏ أي من أن ألحق بأصحاب الجمل ‏(‏بشيء‏)‏ أي بحديث ‏(‏سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هلك كسرى‏)‏ أي سمعته حين هلاكه ‏(‏قالوا ابنته‏)‏ هي بوران بنت شيرويه بن كسرى بن يرويز، وذلك أن شيرويه لما قتل أباه كان أبوه لما عرف أن ابنه قد عمل على قتله احتال على قتل ابنه بعد موته فعمل في بعض خزائنه المختصة به حقاً مسموماً وكتب عليه حق الجماع من تناول منه كذا جامع كذا فقرأه شيرويه فتناول منه فكان فيه هلاكه فلم يعش بعد أبيه سوى ستة أشهر فلما مات لم يخلف أخاً لأنه كان قتل إخوته حرصاً على الملك، ولم يخلف ذكراً، وكرهوا خروج الملك عن ذلك البيت فملكوا المرأة واسمها بوران بضم الموحدة، ذكر ذلك ابن قتيبة في المغازي‏.‏ وذكر الطبري أيضاً أن أختها أرزميد خت ملكت أيضاً ‏(‏لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة‏)‏ قال الخطابي في الحديث‏:‏ إن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء وفيه إنها لا تزوج نفسها ولا تلي العقد على غيرها كذا قال وهو متعقب والمنع من أن تلي الإمارة والقضاء قول الجمهور وأجازه الطبري وهي رواية عن مالك وعن أبي حنيفة عما تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة النساء ‏(‏ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ يعني قوله‏:‏ لن يفلح قوم الخ ‏(‏فعصمني الله به‏)‏ وفي رواية للبخاري، لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم‏.‏

قال الحافظ‏:‏ قوله بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل يعني عائشة ومن معها‏.‏ ومحصل هذه القصة أن عثمان لما قتل وبويع علي بالخلافة خرج طلحة والزبير إلى مكة فوجدا عائشة وكانت قد حجت، فاجتمع رأيهم على التوجه إلى البصرة يستنفرون الناس للطلب بدم عثمان، فبلغ ذلك علياً فخرج إليهم فكانت وقعة الجمل، ونسبت إلى الجمل الذي كانت عائشة قد ركبته وهي في هودجها تدعو الناس إلى الإصلاح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري في آخر المغازي، وفي الفتن والنسائي في الفضائل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو عامر‏)‏ هو العقدي اسمه عبد الملك بن عمرو ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو أسلم العدوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم‏)‏ أي الذين عدلوا في الحكم فتنعقد بينكم وبينهم مودة ومحبة ‏(‏وتلعنونهم ويلعنونكم‏)‏ أي تدعون عليهم ويدعون عليكم أو تطلبون البعد عنهم لكثرة شرهم ويطلبون البعد عنكم لقلة خيركم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد ومحمد يضعف من قبل حفظه‏)‏ قال في التقريب محمد بن أبي حميد إبراهيم الأنصاري الزرقي أبو إبراهيم المدني لقبه حماد ضعيف من السابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ضبة‏)‏ بفتح الضاد المعجمة والموحدة المشددة ‏(‏بن محصن‏)‏ العنزي بفتح المهملة والنون، بصري صدوق من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال إنه سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون‏)‏ قال القاضي هما صفتان لأئمة والراجح فيهما محذوف أي تعرفون بعض أفعالهم وتنكرون بعضها يريد أن أفعالهم يكون بعضها حسناً وبعضها قبيحاً ‏(‏فمن أنكر‏)‏ أي من قدر أن ينكر بلسانه عليهم قبائح أفعالهم وسماجة أحوالهم وأنكر ‏(‏فقد برئ‏)‏ أي من المداهنة والنفاق ‏(‏ومن كره‏)‏ أي ولم يقدر على ذلك ولكن أنكر بقلبه وكره ذلك ‏(‏فقد سلم‏)‏ أي من مشاركتهم في الوزر والوبال ‏(‏ولكن من رضي‏)‏ أي بفعلهم بالقلب ‏(‏وتابع‏)‏ أي تابعهم في العمل فهو الذي شاركهم في العصيان‏.‏ وحذف الخير في قوله من رضي لدلالة الحال على أن حكم هذا القسم ضد ما أثبته لقسيمه ‏(‏أفلا نقاتلهم قال لا‏)‏ أي لا تقاتلوهم ‏(‏ما صلوا‏)‏ إنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عنوان الإسلام حذراً من هيج الفتن واختلاف الكلمة وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نكرهم والمصابرة على ما ينكرون منهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد في 295 ج6 في مسنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا كان أمراؤكم‏)‏ أي ولاة أموركم ‏(‏خياركم‏)‏ أي أتقياءكم ‏(‏وأغنياؤكم سمحاءكم‏)‏ أي أسخياءكم‏.‏ قال في القاموس‏:‏ سمح ككرم سماحاً وسماحة وسموحاً جاد وكرم فهو سمح سمحاء كأنه جمع سميح انتهى ‏(‏وأموركم شورى بينكم‏)‏ مصدر بمعنى التشاور أي ذوات شورى على تقدير مضاف أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي متشاورين فيها ومنه قوله تعالى ‏{‏وأمرهم شورى بينهم‏}‏ ‏(‏فظهر الأرض خير لكم من بطنها‏)‏ يعني الحياة خير لكم من الموت ‏(‏وأموركم إلى نسائكم‏)‏ أي مفوض إلى رأيهن، والحال أنهن من ناقصات العقل والدين‏.‏ وقد ورد‏:‏ شاوروهن وخالفوهن كذا في المرقاة‏.‏

قلت‏:‏ قال صاحب مجمع البحار في كتابه تذكرة الموضوعات في المقاصد، شاوروهن وخالفوهن لم أره مرفوعاً، ولكن روى عن عمر‏:‏ خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة‏.‏ بل روى عن أنس رفعه لا يفعلن أحدكم أمراً حتى يستشير فإن لم يجد من يستشيره فليستشر امرأة ثم ليخالفها فإن في خلافها البركة وفي سنده عيسى ضعيف جداً مع أنه منقطع‏.‏ وعن عائشة مرفوعاً بطرق ضعاف طاعة النساء ندامة وإدخال ابن الجوزي حديث عائشة في الموضوعات ليس بجيد‏.‏ وقد استشار صلى الله عليه وسلم أم سلمة في صلح الحديبية، وصار دليل استشارة المرأة الفاضلة‏.‏ وقد استدرك عليه إبنة شعيب في أمر موسى على نبينا وعليها الصلاة والسلام في آخرين وفي الذين لا يفعلن لمن أحدكم الخ فيه منكر الحديث الصنعاني حديث عائشة موضوع، اللالى حديثها لا يصح‏.‏ قلت له طرق وشواهد منها‏.‏ عودوا النساء لاَفانها حقيقة إن أطعتها أهلكتك‏.‏‏.‏ وخالفوا النساء فإن في خلافهن البركة انتهى ‏(‏فبطن الأرض خير لكم من ظهرها‏)‏ أي فالموت خير لكم من الحياة لفقد استطاعة إقامة الدين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب لا نعرفه إلى من حديث صالح المري الخ‏)‏ قال في التقريب‏:‏ صالح بن بشير المري القاص الزاهد ضعيف من السابعة‏.‏

1502- باب

2304- حَدّثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيّ، حدثنا نُعَيْمُ بنُ حَمّادٍ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أَبِي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّكُمْ في زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِه هَلَكَ ثمّ يأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشرِ ما أُمِرَ بِهِ نَجَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ نُعَيْمِ بنِ حَمّادٍ عن سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ قال‏:‏ وفي البابِ عن أَبي ذَرّ وَأَبي سَعِيدٍ‏.‏

2305- حدّثنا عَبْدُ بنُ حُمَيدٍ، حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ، حدثنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالمٍ عن ابنِ عُمَرَ قَالَ‏:‏ ‏"‏قَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ‏:‏ هَا هُنَا أَرْضُ الفِتَنِ وَأَشَارَ إِلَى المَشْرِقِ يعني حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشّيْطَانِ أَوْ قَالَ جَذْل الشيطان‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2306- حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا رِشْدِينُ بنُ سَعْدٍ، عن يُونَسَ عن ابنِ شِهَابٍ عن الزّهْرِيّ، عن قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تَخرُجُ مِنْ خُراسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ لا يَرُدّهَا شَيْءٌ حَتّى تُنْصَبَ بِإِيِليَاءَ‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ غريبٌ حسنٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنكم‏)‏ أيها الصحابة ‏(‏في زمان‏)‏ منتصف بالأمن وعز الإسلام ‏(‏من ترك منكم‏)‏ أي فيه وهو الرابط لجملة الشرط بموصوفها وهو أمان ‏(‏عشر ما أمر به‏)‏ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‏(‏هلك‏)‏ أي وقع في الهلاك لأن الدين عزيز وأنصاره كثرة فالترك تقصير فلا عذر ‏(‏ثم يأتي زمان‏)‏ يضعف فيه الإسلام ويكثر الظلم ويعم الفسق ويقل أنصار الدين وحينئذٍ ‏(‏من عمل منهم‏)‏ أي من أهل ذلك الزمن ‏(‏بعشر ما أمر به نجا‏)‏ لأنه المقدور ‏(‏ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم‏)‏ ونعيم بن حماد هذا صدوق يخطئ كثيراً كما في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد‏)‏ أما حديث أبي ذر فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال ههنا أرض الفتن‏)‏ أي البليات والمحن الموجبة لضعف الدين ‏(‏حيث يطلع جذل الشيطان‏)‏ قال في القاموس‏:‏ قرن الشيطان وقرناه أمته والمتبعون لرأيه وانتشاره وتسليطه انتهى ‏(‏أو قال‏)‏ شك من الراوي ‏(‏قرن الشيطان‏)‏ في القاموس‏:‏ القرن من الشمس ناحيتها أو أعلاها أو أول شعاعها ويأتي بقية الكلام على هذا الحديث في أواخر الكتاب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن يونس‏)‏ هو ابن يزيد ‏(‏عن قبيصة بن ذويب‏)‏ بالمعجمة مصغراً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يخرج من خراسان رايات‏)‏ جمع راية وهي علم الجيش ‏(‏سود‏)‏ جمع أسود صفة رايات ‏(‏فلا يردها شيء‏)‏ فإن فيها خليفة الله المهدي‏.‏ روى أحمد في مسنده عن ثوبان مرفوعاً‏:‏ إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان قأتوها فإن فيها خليفة الله المهدي ‏(‏حتى تنصب‏)‏ بصيغة المجهول أي الرايات ‏(‏بالياء‏)‏ بكسر الهمزة وسكون التحتية وكسر اللام وبالمد والقصر مدينة بيت المقدس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ في سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفي سند حديث ثوبان المذكور شريك بن عبد الله القاضي، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة‏.‏ وفيه أيضاً علي بن زيد، والظاهر أنه هو ابن جدعان وهو متكلم فيه‏.‏